بسام السلمان
كتبتْ في رثاء شقيقها ذات مساء موجع “لقد كانت أطول وأصعب أربعين يوما في حياتي كلها… وما زالت تلك الصدمة تأسرني، وما زال فقدانك جرحا لا يبرأ.
دفنوك أنت، لكنني أنا من مات… لا أعرف كم من العمر أحتاج كي أدرك أنك لن تعود، وأنني لن أسمع صوتك مرة أخرى، وأن مكانك بيننا سيبقى فارغا إلى الأبد.
تمر أربعون يوما على فقدانك يا خيي، ويظن الجميع أنني تجاوزت ذلك…
لكن لا أحد يعرف أنني ما زلت عالقة في ذلك اليوم، في تلك الساعة تحديدا.”
توقفت طويلا أمام كلماتها، فقد كتبتها بقلب مكسور. ففي العيد تحديدا، تعود الوجوه التي غابت. نضحك قليلا، نستقبل المهنئين، نرتدي ثياب الفرح، لكن شيئا في الداخل يبقى ناقصا، كمكان فارغ على مائدة العيد، أو صوت اعتدنا سماعه ثم اختفى فجأة.
وفي ثالث أيام العيد، تزدحم المقابر بالدعوات والدموع. هناك من يقرأ الفاتحة بصوت مرتجف، وهناك أمّ تمسح شاهد القبر وكأنها تمسح وجه ابنها، وهناك أخت جاءت لتقول لشقيقها الراحل “العيد من دونك ليس عيدا.”
الأخوات تحديدا يحملن الحزن بطريقة مختلفة. في قلوبهن مساحة لا تشبه أحدا، حنان طويل لا ينتهي، وذاكرة تحتفظ بأدق التفاصيل، ضحكة الأخ، صوته، طلباته الصغيرة، وحتى خصوماته العابرة.
ورغم أن الحياة تُجبرنا على الاستمرار، إلا أن بعض الفقد يبقى ساكنا فينا لا يغادر.
نتعلم كيف نعيش معه، لا كيف ننساه.
رحم الله الذين رحلوا وتركونا نواجه الأعياد بقلوب منقوصة، ورحم الله شقيق تلك السيدة التي ما زالت تبكيه كلما مرّ طيفه في ذاكرتها، ورحم الله كل من فقد عزيزا وما زال يخفي دموعه خلف ابتسامة العيد. فالغياب لا يعتاد.