بسام السلمان
كان في قريتنا رجل مهنته المخضر، كان السلطة الأولى في موسم الزرع، فما إن تخضرّ السنابل حتى يستعين به المزارعون لحراسة حقول الحبوب من اعتداءات الماشية.
لكن المخضر، كما اكتشفنا لاحقا، لم يكن يحرس جميع الحقول بالعدل نفسه، ففي كل موسم، كان يقتطع خلسة مساحات من الزرع، يسمح لأغنام أقاربه بالرعي فيها. هذه القطعة لابنه، وتلك لأخيه، وأخرى لابنة عمه، ورابعة لخالة زوجته، وكأن الأرض ميراث شخصي، لا تعبُ أصحابها ولا عرقهم.
يمضي موسم الحصاد، ويقف الفلاح مذهولا أمام محصول أقل مما زرع، فيبدأ مسلسل الديون. يدفع للتاجر، ويستدين من كبير المزارعين، ويؤجل الضريبة، ثم يكتشف أنه عاجز عن تزويج ابنه، أو طلاء منزله، أو شراء ثوب جديد لزوجته، أو حذاء لطفله الذي ينتظر العيد.
وحين كنت أتذكر ذلك المخضر، كنت أظنه قصةً من الماضي حتى كبرت واكتشفت أن بعض الحكومات لا تختلف كثيرا عن مخضر قريتنا.
تُكلَّف بحراسة مصالح الناس، فإذا ببعضها يحرس مصالح المقربين، توزع الامتيازات هنا، والإعفاءات هناك، والوظائف لهذا، والعطاءات لذاك، بينما يقف المواطن الذي دفع الثمن كله في نهاية الموسم، ليجد نصيبه أقل مما يستحق، وحلمه أبعد مما كان يتمنى.
والمفارقة أن المخضر القديم كان يخون حقلا أو حقلين، أما بعض الحكومات فتتسع مراعيها حتى تكاد تبتلع الوطن كله، فيبقى المواطن يركض خلف رغيف الخبز، وثمن الدواء، وفاتورة الكهرباء، بينما آخرون يلعبون بالملايين وكأنها أوراق لعب.
رحم الله ذلك المخضر فقد كان فساده محدودا بحدود القرية، أما فساد بعض البشر اليوم، فلا تحدّه قرية ولا مدينة ولا وطن.