بسام السلمان
لقريتي رائحة لا تشبه سواها، كما لعمان رائحتها، ولإربد، والكرك، ودمشق، وبغداد والقاهرة. فالأماكن لا تُعرَف بأسمائها وحدها، بل بما تتركه في الذاكرة من عطر لا يُرى، لكنه يظل عالقا في القلب سنوات طويلة.
كان لقريتي يوما رائحة الطيبة والبركة، ورائحة أول قطرات المطر وهي تعانق الأرض العطشى، ورائحة سنابل القمح، وأشجار الكينا التي كانت تحرس الحارات بصمت، ورائحة أول همسات العشق البريء بين القلوب، كانت رائحة الناس وهم يتقاسمون الخبز والفرح والحزن دون حساب.
أما اليوم، فقد تبدلت تلك الروائح، لم تعد أشجار الكينا وحدها تغيب، بل غابت معها روائح المحبة والتسامح، وحلّت مكانها روائح المصالح الضيقة، والحسد، والبغضاء، والخصومات التي تتسلل إلى البيوت كما يتسلل الدخان إلى النوافذ المفتوحة.
تقول الدراسات الحديثة إن التلوث، والمواد الكيميائية، والزراعة الصناعية، وحرائق الغابات، وتغير المناخ تعيد تشكيل روائح البيئة، حتى بات العلماء يتحدثون عن “المشهد الشمي” الذي يمنح كل مكان هويته، لكنني أؤمن أن هناك تلوثا آخر لا تقيسه الأجهزة، ولا ترصده الأقمار الصناعية، بل تشعر به الأرواح قبل الأنوف.