بقلم: الدكتور معاويه علي الياسين
قصة المقاتل الياباني هيرو أونودا: حين يتحول الإيمان الأعمى إلى عزلة عن التاريخ
في تاريخ الحروب قصص كثيرة لا تُقرأ بوصفها حكايات عسكرية فحسب، بل بوصفها مرايا عميقة للنفس البشرية، وللقناعة، وللولاء، وللخطأ حين يلبس ثوب البطولة. ومن بين هذه القصص تبرز قصة المقاتل الياباني هيرو أونودا، الضابط في الجيش الإمبراطوري الياباني، الذي ظل يقاتل في أدغال جزيرة لوبانغ في الفلبين ما يقرب من تسعة وعشرين عامًا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، معتقدًا أن الحرب لم تنتهِ، وأن كل الأخبار التي وصلته عن استسلام اليابان ليست إلا خدعة أمريكية أو حربًا نفسية لإجباره على الاستسلام.
لم يكن أونودا جنديًا عاديًا. لقد أُرسل إلى جزيرة لوبانغ خلال الحرب، وكُلّف بمهمة حرب العصابات، وأُمر بألا يستسلم. وحين انتهت الحرب العالمية الثانية في أغسطس/آب 1945، لم يصدق المنشورات التي أُلقيت من الجو، ولا الرسائل التي حملت أخبار الاستسلام، ولا حتى النداءات التي حاولت إقناعه بالخروج من الغابة. كان يرى في كل ذلك مؤامرة من العدو. وهكذا بقي مختبئًا، مسلحًا ببندقيته، وبقناعة حديدية، وبأمر عسكري قديم صار عنده أقوى من الواقع نفسه.
إن مأساة أونودا لا تكمن فقط في أنه ظل يقاتل حربًا انتهت، بل في أنه عاش داخل زمنٍ توقّف عنده. العالم تغيّر، اليابان هُزمت ثم نهضت، المدن دُمّرت ثم أُعيد بناؤها، الأجيال تبدّلت، لكن أونودا بقي أسير لحظة واحدة: لحظة الأمر العسكري، ولحظة الإيمان المطلق بأن العدو يكذب. ولم يوافق على الاستسلام إلا عام 1974، عندما جاء قائده السابق شخصيًا إلى الفلبين وأصدر له أمرًا رسميًا بإنهاء مهمته. عندها فقط سلّم سلاحه.
هذه القصة تثير سؤالًا كبيرًا: هل كل ثبات بطولة؟ وهل كل قناعة فضيلة؟
الجواب ليس بسيطًا. فالثبات إذا ارتبط بالحق، وبالوعي، وبخدمة الإنسان، يصبح بطولة. أما إذا انفصل عن الواقع، وتحول إلى طاعة عمياء، فقد يصبح مأساة للفرد وللآخرين. فالقناعة تحتاج إلى عقل يراجع، وضمير يحاسب، وبصيرة تميز بين الوفاء للوطن وبين الارتهان لوهم قديم.
إن هيرو أونودا كان مخلصًا وفق منظوره، لكنه كان مخلصًا لفكرة تجاوزها التاريخ. وهذا درس كبير لكل الشعوب: لا يكفي أن نؤمن، بل يجب أن نعرف بماذا نؤمن، ولماذا نؤمن، ولمن نضحي. فالإيمان بلا وعي قد يقود الإنسان إلى العزلة، أما الإيمان المقرون بالمعرفة فيقوده إلى البناء.
ومن هنا أجد في هذه القصة مدخلًا للتأمل في واقع الامة العربية. لقد عاشت الامة العربية حروبًا، وحصارات، واحتلالات، وصراعات داخلية، وموجات من الإحباط والخذلان. وكثيرون ظنوا أن امرها انتهى، أو أن روحها انكسرت، أو أن شبابها لم يعودوا قادرين على حمل الراية. لكنني، ومن عمق تجربتي وقناعتي، أؤمن بأن هذه الامة لم تمت، ولن تموت. إن الأمم العريقة تمرض، لكنها لا تفنى، تتعثر، لكنها لا تفقد طريقها إلى النهوض.
إن وهج ونهضة الامة سيعود، لا بالخطابات الفارغة، ولا بالشعارات المستهلكة، ولا بالعصبيات الضيقة، بل بقيادة الشباب الوطني المؤمن بوطنه وشعبه. ذلك الشباب الذي لا يعيش في أوهام الماضي، ولا يستسلم لخراب الحاضر، بل يصنع مستقبله بالعلم، والعمل، والنزاهة، والوعي، والانتماء الحقيقي لوطنه وامته..
نحن لا نريد شبابًا يقاتلون حروبًا انتهت، كما فعل أونودا، بل نريد شبابًا يخوضون معركة البناء، ومعركة المعرفة، ومعركة استعادة مكانة الامة من الفساد والتعصب والتبعية. نريد جيلًا يعرف أن الوطنية ليست صراخًا، بل مسؤولية؛ وليست كراهية للآخر، بل حب للوطن؛ وليست تمجيدًا للموت، بل دفاعًا عن الحياة الكريمة.
إن قصة هيرو أونودا تعلمنا أن الإنسان قد يضيع ثلاثين عامًا إذا ظل أسير أمر قديم أو فكرة مغلقة. أما هذه الامة، فإنها تحتاج إلى شباب يفتحون النوافذ للضوء، لا إلى من يختبئون في غابات الماضي. يحتاج إلى من يؤمنون بأن الوطن ليس غنيمة، بل أمانة؛ وأن الشعب ليس وسيلة للسلطة، بل هو مصدر الشرعية والكرامة،وحين يتقدم شبابها الوطني المؤمن وحين تتحول الوطنية من شعار إلى سلوك، ومن حنين إلى مشروع، ومن غضب إلى بناء.يصبح الوطن اكبر من كل المحن واعمق من الازمات،واقوى من الذين يحاولون العبث بمصيره ومقدراته.
لقد خرج هيرو أونودا من الغابة بعد أن اكتشف أن الحرب انتهت منذ زمن. أما شباب الامة، فعليهم أن يخرجوا من غابات اليأس، لا ليستسلموا، بل ليعلنوا أن معركة الامة الحقيقية هي مع الذات فان صلحت تبدا معركة النهوض، والعدالة، والكرامة، وبناء وطن يليق بتاريخ امة اصبح العالم ينظر اليها بانها في اسفل الترتيب من جملة الامم.
هيرو انودا وحلم الشباب العربي
33
المقالة السابقة