بسام السلمان
ردد الصديق فوزي الزعبي “أبو سامي” عبارة جميلة : “علّموهم الأخلاق قبل أن تُعلّموهم حفظ القرآن.” فهو يرى أن من يتقدم لإمامة الناس، لا يكفي أن يكون حافظا للآيات، بل ينبغي أن يكون حافظا لمعانيها، مترجما لها في سلوكه وأخلاقه قبل صوته وتلاوته.
وأنا أؤمن بأن حافظ القرآن” ذكر او انثى ” الحقيقي هو من يمشي بين الناس بصدق وأمانة، فالقرآن لم ينزل ليُتلى بالألسنة فحسب، وإنما ليُعمل به في الحياة، وليظهر أثره في المعاملة قبل العبادة، وفي السلوك قبل الكلمات.
لقد كان رسول الله ﷺ النموذج الأكمل لذلك، حتى قالت عنه أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها: “كان خُلُقه القرآن.” وهذه هي الغاية العظمى من حفظ كتاب الله، أن يتحول إلى أخلاق حية، وقيم راسخة.
وليس من قبيل المصادفة أن ينتشر الإسلام في كثير من بلدان الشرق الأقصى على أيدي التجار المسلمين، الذين لم يحملوا السيوف، وإنما حملوا الصدق والأمانة وحسن الخلق، فكانت أخلاقهم أعظم دعوة إلى الإسلام، وكان تعاملهم أبلغ من آلاف الخطب والمواعظ.
ومن المؤسف أن ينصبّ اهتمام بعض مراكز تحفيظ القرآن على الأعداد، وعدد الأجزاء المحفوظة، وعدد الختمات، بينما يتراجع الاهتمام بزرع معاني القرآن في النفوس، وربط الحفظ بالسلوك، حتى يصبح همّ بعض الحفّاظ إتقان المقامات وتحسين الأداء، لينالوا إعجاب المستمعين الذين يرددون: “الله… الله…”.
ولا شك أن تحسين التلاوة أمر محمود، لكن الخطر يبدأ عندما تصبح جودة الصوت أهم من جودة الخلق، ويصبح الإعجاب بالنغم أكبر من الإعجاب بالأمانة والصدق والتواضع.
فلنعلّم أبناءنا أن أعظم آية يحفظونها هي التي تظهر في تعاملهم مع والديهم، ومعلميهم، وجيرانهم، وزملائهم، وأن أجمل تلاوة هي تلك التي يسمعها الناس في صدق الكلمة، وأمانة الموقف، وحسن الخلق.
فالقرآن بلا أخلاق يفقد كثيرا من أثره في النفوس، أما الأخلاق المستمدة من القرآن فهي التي تصنع الإنسان، وتبني المجتمع، وتُجمل صورة الإسلام في أعين العالم.