ويعود هذا المفهوم، بحسب ما تم التطرق إليه، إلى بدايات تأسيس الدولة الحديثة، وتحديداً في فترة قيادة الجيش العربي من قبل، الانجليزي كلوب باشا الذي ركز على استقطاب أبناء البادية والفلاحين للانضمام إلى القوات المسلحة. ولا شك أن الخدمة العسكرية كانت وما تزال شرفاً وطنياً عظيماً، غير أن السياسة المتبعة آنذاك أسهمت تدريجياً في ترسيخ مفهوم الوظيفة بوصفها مصدراً مضموناً للدخل الشهري، أكثر من كونها رسالة ومسؤولية وطنية.
فقد ترك كثير من الناس الزراعة والحرف التقليدية واتجهوا إلى الوظائف العسكرية أو الحكومية بحثاً عن الاستقرار المالي، خاصة أن العمل الزراعي كان شاقاً ومحفوفاً بالمخاطر، من مواسم الجفاف والقحط إلى ضعف العائد المادي. ومع مرور الوقت، بدأت الأراضي الزراعية تفقد عنايتها، وأصبحت السهول التي كانت يوماً سلة غذاء البلاد، ومنها سهول حوران والسهول الوسطى والجنوبية، أراضي قاحلة بعد أن هجرها أهلها إلى الوظائف التي توفر راتباً ثابتاً آخر الشهر.
لقد كان من المفترض أن يتحقق التوازن بين واجب الدفاع عن الوطن والمحافظة على الإرث الزراعي والإنتاجي والتجاري، لكن الواقع سار في اتجاه مختلف، فأصبحت الوظيفة هدفاً بحد ذاتها، بينما تراجع مفهوم العمل المنتج القائم على الصناعة والزراعة والحرفة.
ومع الزمن، لم يعد مفهوم الوظيفة مقتصراً على أداء واجب أو تقديم خدمة، بل أصبحت عند كثيرين مجرد وسيلة للحصول على الدخل الشهري. أما مقدار العطاء أو الإنجاز فغالباً ما أصبح أمراً ثانوياً. بل إن البعض قد يقبل بالحصول على راتبه دون أن يقدم عملاً حقيقياً إذا أتيحت له الفرصة، وهو ما يعكس خللاً واضحاً في ثقافة العمل والإنتاج.
وتتجلى هذه الثقافة في المبالغة بطلب الإجازات السنوية أو المرضية، أحياناً دون حاجة فعلية، بل وقد يصل الأمر إلى التحايل للحصول عليها، خاصة إذا كان المدير متساهلاً أو تربطه بالموظف علاقات شخصية. وهنا تصبح الوظيفة امتيازاً للحصول على الراتب، لا مسؤولية تتطلب الالتزام والأمانة والإخلاص.
إن هذا السلوك يتناقض مع تعاليم ديننا الإسلامي الذي جعل العمل أمانة وعبادة، وحث على الإخلاص والإتقان في أداء الواجب. قال تعالى:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» رواه البخاري.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ” والإتقان هو الإحسان والتكميل، أي أن يؤدي المسلم العمل الموكل إليه بمهارة، وجودة، وبذل الجهد، دون إهمال أو تقصير.
فالآية الكريمة والأحاديث الشريفة تؤكد ان قيمة العمل الحقيقي والكسب الحلال القائم على الجهد والإنتاج، لا الحصول على المال دون مقابل أو انتظار الراتب دون أداء الواجب.
إن ما نحتاجه اليوم هو إعادة بناء ثقافة العمل على أساس الأمانة والإخلاص وربط الأجر بالعطاء، بحيث يشعر الموظف أن راتبه أمانة لا بد أن يقابلها جهد حقيقي وإنتاج نافع للوطن والمجتمع. فصلاح المؤسسات لا يتحقق بالأنظمة وحدها، بل بوجود ضمير مهني يؤمن بأن الوظيفة مسؤولية قبل أن تكون حقاً مالياً.
وكم نحن بحاجة إلى ترسيخ مفهوم أن الإنسان يحلل رزقه بعمله وإخلاصه، وأن قيمة الأوطان ترتفع بإنتاج أبنائها لا بكثرة الوظائف الشكلية أو الاعتماد الكامل على الرواتب الثابتة.
والله من وراء القصد.