تُعدُّ الجاهات من أبرز العادات الاجتماعية المتوارثة في المجتمع الأردني، وهي تعكس قيماً نبيلة مثل الاحترام، والتواصل، وصلة الرحم، وإشهار المناسبات السعيدة. وقد ارتبطت جاهات الأعراس لعقود طويلة بمنظومة اجتماعية كان لها دور مهم في تنظيم العلاقات بين العائلات، وتقريب وجهات النظر، وإتمام إجراءات الزواج وفق الأعراف السائدة.
إلا أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي شهدها المجتمع خلال العقود الأخيرة تدعو إلى إعادة النظر في حجم الجاهات وطريقة تنظيمها، بحيث تبقى محافظة على قيمتها الاجتماعية دون أن تتحول إلى عبء مادي أو وسيلة للتفاخر والمباهاة.
في الماضي، كانت الجاهة تؤدي وظيفة أساسية تتمثل في التفاوض على المهر ومتطلبات الزواج من أثاث وذهب وغيرها، إضافة إلى إعلان الخطبة وإشهارها أمام المجتمع. وكان أعضاء الجاهة يتدخلون أحياناً لتقريب وجهات النظر، وتخفيف المطالب، وإزالة أي خلاف قد يعترض طريق الزواج، الأمر الذي منحها دوراً اجتماعياً حقيقياً في إنجاح هذه العلاقة.
أما اليوم، فقد تغيرت الظروف بصورة كبيرة. ففي معظم الحالات تُحسم جميع التفاصيل المتعلقة بالمهر ومتطلبات الزواج مسبقاً من خلال لقاءات واتفاقات مباشرة بين العائلتين، ويتم تحديد موعد الجاهة بعد اكتمال الاتفاق على جميع الشروط. وبذلك أصبحت الجاهة في كثير من الأحيان مناسبة بروتوكولية هدفها إعلان الاتفاق الذي تم إنجازه مسبقاً، أكثر من كونها وسيلة للتفاوض أو حل الخلافات.
ومع هذا التحول، برزت ظاهرة جديدة تتمثل في التنافس على حجم الجاهة وعدد المشاركين فيها، واختيار شخصيات ذات مناصب أو مكانة اجتماعية مرموقة لطلب العروس أو الرد على الطلب، حتى وإن كانت هذه الشخصيات لا تربطها بالعائلتين علاقة وثيقة، بل قد تكون من مناطق بعيدة تماماً عن مكان إقامة العريس أو العروس. ويبدو أن الدافع في كثير من هذه الحالات لم يعد تحقيق الغاية الاجتماعية للجاهة، وإنما استعراض المكانة الاجتماعية وإظهار القدرة على جمع أكبر عدد من الشخصيات والوجهاء، وهو ما أدى إلى دخول عنصر المباهاة في مناسبة يفترض أن تقوم على البساطة والمودة.
ولو تأملنا الأهداف الأصلية للجاهات لوجدنا أنها كانت تتمثل في أمرين رئيسيين:
* إشهار الزواج وإعلانه أمام المجتمع.
* التوسط بين الطرفين وتقريب وجهات النظر والتخفيف من المطالب عند الحاجة.
أما في الوقت الحاضر، فإن الهدف الأول أصبح يتحقق بسهولة عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تنقل الخبر إلى مئات الأشخاص خلال دقائق. أما الهدف الثاني، فقد تراجعت الحاجة إليه نتيجة ارتفاع مستوى التعليم، وزيادة الوعي، وانتشار ثقافة الحوار والتفاهم المباشر بين الأسر، بحيث أصبح الطرفان قادرين على الاتفاق دون الحاجة إلى وسطاء في معظم الحالات.
ولا يعني ذلك أن الجاهات فقدت أهميتها بالكامل، فهي لا تزال تحمل العديد من الجوانب الإيجابية، من أبرزها تعزيز التواصل الاجتماعي، وصلة الأرحام، وإحياء قيم الاحترام والتقدير بين العائلات، وإضفاء أجواء من الفرح وإشهار الزواج بصورة لائقة. كما أن ما يصاحبها من ضيافة واحتفالات يسهم في تنشيط عدد من القطاعات الاقتصادية، مثل محلات الحلويات، وقاعات المناسبات، وخدمات الضيافة، وغيرها من الأنشطة التجارية.
في المقابل، فإن المبالغة في تنظيم الجاهات أصبحت تفرز العديد من السلبيات، وربما تفوق إيجابياتها، ومن أبرزها ارتفاع الكلف المالية التي يتحملها الطرفان، وإضاعة ساعات طويلة في مناسبة حُسمت تفاصيلها مسبقاً، وإغلاق بعض الطرق نتيجة كثافة الحضور، فضلاً عن الحرج الاجتماعي الذي قد ينشأ بسبب عدم دعوة بعض الأشخاص أو نسيان آخرين، وما قد يترتب على ذلك من حساسيات أو قطيعة بين الأقارب والمعارف. كما أن التنافس في حجم الجاهة وعدد المشاركين قد يحول المناسبة من احتفال أسري إلى ساحة للمباهاة وإظهار النفوذ الاجتماعي.
إن المحافظة على العادات والتقاليد لا تعني الجمود أو رفض التطوير، بل إن الحكمة تقتضي الاحتفاظ بما يحقق المصلحة، والتخلي عن المبالغات التي تثقل كاهل الأسر دون أن تضيف قيمة حقيقية للمناسبة. فالجاهة التي تضم أفراد العائلتين والأقارب والأصدقاء المقربين، وتقام في أجواء يسودها الاحترام والبساطة، تحقق الغاية المرجوة من الإشهار والتواصل، بعيداً عن الإسراف والتكلف.
فالفرح الحقيقي هو فرح الأهل والأقربين، أما كثير من الحضور الذين يلبون الدعوة بدافع المجاملة، فإن وجودهم لا يغير من جوهر المناسبة شيئاً، وسرعان ما يغادرون بعد انتهاء تناول صحن الكنافة دون أن يبقى من أثرهم إلا تسجيل الحضور.
إن المطلوب اليوم ليس إلغاء الجاهات، فهي جزء أصيل من تراثنا الاجتماعي، وإنما ترشيدها وإعادتها إلى فلسفتها الأولى، لتكون عنواناً للمودة والتسامح والتواصل، لا ميداناً للتنافس والتفاخر، وبذلك نحافظ على أصالة الموروث، وننسجم في الوقت ذاته مع متطلبات العصر وظروف الناس الاقتصادية والاجتماعية.
والله من وراء القصد