من رواية «ثقب في الجدار» – منشورة عام (2015)
بسام السلمان
تحت سماء إربد المثقلة بغيوم تشرين، كانت حبات المطر تنقر على كتفينا ونحن نمضي نحو “القرية الإنجليزية” بجامعة اليرموك. التفتَ إليّ بابتسامته التي لا تغيب، وهمس كمن يكتشف سرّاً “هل هناك أروع من المطر والحب؟”
قلتُ في نفسي: لو تدري يا رفيقي أن الروعة تكمن في الثبات لا في اللحظة العابرة. لكنني أجبته باقتضاب: “يوجد”
توقف، نظر في عينيّ بعمق شاعر يوشك على الانفجارقال “هل هناك أجمل؟” قلت: “قصائدك”.
ضحك وهو يمسح المطر عن وجهه، حاول الإمساك بيدي ليسرع الخطى، فانسحبتُ بهدوء. كانت روحي هناك، خلف النهر، حيث المطر يمتزج برائحة البارود والزعتر. قال لي بكلام المحب: “أنتِ القصائد والمطر.. أنتِ القادرة على بعث الحياة في كل شيء”.
**
ومع اقتراب التخرج، خيّم عليه صمتٌ ثقيل. سألتُه عن سر هذا الحزن، فقال بيأس “تخرجنا يعني موتي”
. أدركتُ ما يرمي إليه، فنحن نقف على تخوم جغرافية قاسية. قلتُ له” إنه القدر يا فتى الرمثا”. اعترض بإصرار: “وأنتِ كنعانية، فلا تستسلمي! نستطيع أن نتزوج ونصنع نهايتنا السعيدة”.
ابتسمتُ بمرارة وأنا أحدث نفسي” أيّ سعادة تلك التي تُبنى على نسيان الجرح”؟ قلت له” أنت لا تعرف ماذا يعني الزواج من امرأة فلسطينية. يعني أن يبقى قلبها غرب النهر، تبكي كل شهيد كأنه ابنها، هل تريد أن تفرغ الأرض من أصحابها؟”
قال بألم” لكني أحبك” . أجبته بصوت لم يهتز: “وأنا أحبك.. وأحب القدس. لكنني لا أصلح لزوجة هنا، أعيش حياة هادئة بينما الكابوس الإسرائيلي يخنق أهلي. نحن لا نرى شيئاً خارج حدود فلسطين”.
اتّهمني بالجنون والقسوة، وبأنني أقتل الأمل قبل ولادته. أمسكتُ يده هذه المرة لأخفف عنه وطأة الحقيقة، وقلت: ” ما زال هناك متسع من الوقت، وقد يصنع الله لنا نهاية سعيدة”.
نظر إليّ بنظرة عرافٍ حزين وقال “إن سافرتِ ولم تعودي، وانقطعت أخباركِ.. سأكتب عنكِ رواية أختمها بموتك.. لأنكِ لا بد أن تموتي إن ابتعدتِ عني”.
لم أكن أعرف حينها أن الموت الذي توعدني به في روايته، سيكون هو “الحياة” الخالدة التي سأعبرها من فوق تراب فلسطين، وأن الرواية ستكتبها دماء “ابنة الصحافة” التي لم تخلع درعها حتى وهي تودع المطر الأخير.