في كثير من الزيجات، لا يدخل الزوجان بيتهما وحدهما، بل تدخل معهما ديون والتزامات تسرق فرحة البدايات، وتربك توقعاتهم عن الزواج، وتفرض على مستقبلهم أعباء وتحديات لم تكن في الحسبان.
ومن هنا تبدأ القصة.
فالجاهات، والمهور المرتفعة، والذهب، والحفلات، والتجهيزات، لم تعد عند كثيرين تعبيرًا عن الفرح بقدر ما أصبحت سباقًا اجتماعيًا لإثبات المكانة ومجاراة العادات والتقاليد، والنتيجة أن ليلة واحدة قد تبتلع مدخرات سنوات، وتفرض على زوجين في بداية حياتهما ديونًا وأقساطًا تستمر طويلًا بعد أن تنطفئ الأضواء ويغادر الضيوف.
المشكلة أن ثمن هذه الليلة لا يُدفع من المال فقط، بل من الاستقرار النفسي والأسري أيضًا، فالزوج الذي يبدأ حياته مثقلًا بالديون يدخل الزواج تحت ضغط دائم لإثبات قدرته على الإنفاق، والزوجة قد تحمل شعورًا بالذنب لأنها أصبحت سببًا في أعباء مالية، أو تشعر أن قيمتها ارتبطت بحجم الذهب والحفل لا بشخصها، ومع مرور الوقت تتحول هذه المشاعر إلى توتر، وعتاب، وصمت، وحساسية تجاه أي قرار مالي.
عندها تتغير أولويات الحياة، يصبح السؤال هل نسدد الدين أم نكمل تأثيث المنزل، هل نؤجل الإنجاب، هل نستطيع شراء منزل، هل ندخر للطوارئ، أم أن سنواتنا الأولى ستضيع في سداد ثمن ليلة واحدة؟
وتشير الأبحاث إلى أن الخلافات المالية من أكثر أسباب الخلافات الزوجية تعقيدًا، ليس بسبب المال وحده، بل بسبب ما يمثله لكل طرف، فالمال قد يعني الأمان عند أحدهما، بينما يعني السيطرة أو العدالة أو التقدير عند الآخر، لذلك لا يبقى الخلاف حول قيمة الفاتورة، بل يمتد إلى الثقة، والاحترام، وطريقة إدارة الحياة.
والأخطر أن هذه الثقافة لا تؤثر في الزوجين فقط، بل في المجتمع كله، فهي تدفع كثيرًا من الشباب إلى تأجيل الزواج أو العزوف عنه، وتزيد الاعتماد على القروض، وتؤخر تكوين الأسرة، وتسبب في خلافات بين عائلات الأزواج قبل أن تبدأ الحياة المشتركة، وقد تتحول لاحقًا إلى أحد أسباب الانفصال المبكر عندما يكتشف الزوجان أن ما تم إنفاقه لإرضاء الناس كان سببا في معاناتهم المالية وخاصة عندما لا تكون العلاقة بينهما وفقًا لتوقعات كل منهم.
في الأردن، كما في كثير من المجتمعات العربية، أصبحت تكاليف الزواج المرتفعة أحد التحديات الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية، ولم يعد السؤال كم كانت الحفلة جميلة، بل كم كلّفت الأسرة من سنوات حتى تتعافى من آثارها.
لسنا ضد الفرح، ولا ضد الجاهة، ولا ضد الذهب، فهذه مظاهر اجتماعية لها مكانتها، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح أهم من مستقبل الزوجين، وعندما تتحول العادات من وسيلة للاحتفال إلى عبء يفرضه المجتمع دون أن يتحمل نتائجه.
في صباح اليوم التالي للزفاف، تنتهي الحكاية التي شاهدها الجميع، وتبدأ القصة التي يعيشها الزوجان وحدهما، عندها لا يعود السؤال كم كان الحفل جميلًا، بل كيف ستكون الحياة الزوجية، فإذا كانت البداية مثقلة بالديون وإرضاء الناس، فإن الفرح ينتهي بانتهاء الليلة، أما ثمنه فقد يبقى حاضرًا في تفاصيل الحياة لسنوات.
فالزواج الناجح لا يُقاس بعدد المدعوين، ولا بحجم الذهب، ولا بفخامة الحفل، بل بقدرة الزوجين على أن يبدآ حياتهما وهما يملكان ما هو أثمن من كل ذلك، المودة والطمأنينة.