إذا كان أخوك كذّابًا أو مثيرًا للفتنة أو منافقًا ثم آثرت الصمت عن فعله بحجة أنه أخوك، ولم تنصحه أو تردعه أو تُنكر عليه، فأين صدق الأخوّة؟ فالأخوّة الحقة لا تعني التستر على الخطأ، وإنما تعني السعي إلى إصلاح صاحبه .. ومن يرى نفاق أخيه أو كذبه أو إفساده وفتنته ثم يتركه دون نصح أو تقويم بل يشد على يديه ويؤيده بحجة الأخوّة أو العصبية، فقد شاركه في إعانته على الباطل، وسلك سبيل العصبية الجاهلية التي جاء الإسلام لإبطالها.
وإذا كان ابنك سارقًا، وكان همّك الأكبر إسكات ألسنة الناس عنه بدلًا من منعه من السرقة وتقويم سلوكه، فقد قدّمت سمعتك على دينه وأخلاقه، وأسهمت في ترسيخ باطله بدلًا من منعه، فالحرص الحقيقي على الابن ليس في إخفاء خطئه، وإنما في إصلاحه. وبالتبرير لفعله فأنت لا تقل جرمًا عنه.
وإذا كان قريبك خائنًا للأمانة أو متعاونًا مع الباطل ثم غضضت الطرف عن فعله أو دافعت عنه لمجرد القرابة، فقد قدّمت العصبية على الحق بينما المؤمن الصادق يجعل الحق فوق كل رابطة، ويزن الناس بالعدل لا بالأهواء.
وإذا كان أحد أفراد عشيرتك أو عائلتك يجاهر بالظلم ثم هببت للدفاع عنه بحجة الحفاظ على اسم العائلة أو العشيرة، فقد نصرت الباطل، وخذلت الحق، والحق أحق أن يُتبع.
لقد أمر الله سبحانه وتعالى بإقامة العدل حتى مع أقرب الناس إلينا، فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].
وأمرنا سبحانه بالإنصاف حتى مع من نختلف معهم أو نعاديهم، فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
وانظر إلى كمال عدل النبي ﷺ حين قال:
«وايمُ اللهِ لو أن فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقتْ لقطعَ محمدٌ يدَها».
فالمحبة الصادقة ليست في تبرير الأخطاء، ولا في التستر على المفتنين، ولا في مؤازرة المفسدين، وإنما في النصيحة والإصلاح، والأخذ على يد المخطئ بقدر الاستطاعة، فإن أصر على باطله كان الواجب عدم إعانته عليه، والوقوف مع الحق لا مع الأشخاص.
إن من يحب أخاه أو ابنه أو قريبه أو عشيرته حقًّا يسعى لأن يكون سببًا في نجاتهم، لا سببًا في تماديهم في طغيانهم المحتوم بهلاكهم .. فالتستر على الخطأ ليس رحمة، والوقوف بصف المفتن ليس وفاءً، والسكوت عن المنكر ليس محبة، وإنما المحبة الحقيقية أن تدل من تحب على صوابية الطريق، وتأخذ بيده قبل أن يقف بين يدي الله تعالى فيندم حيث لا ينفع الندم ثم لا تنسى أنك ستقف وتسأل عن وقوفك مع أخيك المفتن وابنك السارق وقرابتك الفاسد وابن عشيرتك الهامل ..
واعلم أن المعين على الباطل شريك فيه بقدر إعانته، فلا تجعلوا العصبية أو القرابة أو المصالح حجابًا يحول بينكم وبين العدل، ولا تدعوا الشيطان يزين لكم أعمالكم الباطلة في صورة وفاء ومحبة؛ فإن نصرة المخطئ على خطئه ليست حبًا له، وإنما إعانة له على التمادي فيما يضره في دنياه وآخرته ..