عمّان التي نريد .. لا تحتاج إلى مزيد من الطرق وحدها، بل إلى سياسات تنقل الناس بكفاءة أكبر
في كل مرة نتحدث فيها عن الازدحام في عمّان، نعود إلى الأسئلة نفسها: أين نبني جسرًا جديدًا؟ وأين نوسّع شارعًا؟ لكن ماذا لو لم تكن المشكلة أن الطرق لا تستوعب سيارات كافية، بل أن أعدادًا كبيرة من الناس تتنقل في مركبات منخفضة الإشغال، لا يشغل كثيرًا منها سوى شخص واحد؟
هنا يتغير السؤال: بدلًا من «كم سيارة تستوعب عمّان؟»، ينبغي أن نسأل: «كم إنسانًا تستطيع المدينة أن تنقل بأقل وقت وكلفة ومساحة؟».
فغاية النقل ليست تحريك السيارات، بل إيصال الناس إلى أعمالهم ومدارسهم وخدماتهم بأمان، وفي وقت وكلفة معقولين.
المشكلة في كفاءة الرحلات
تختلف تقديرات حجم الازدحام في عمّان بحسب المصدر والمنهجية، ولا تتوافر، في حدود ما هو منشور للعامة حتى الآن، بيانات رسمية موحدة عن متوسط عدد الركاب في المركبة، أو نسبة القيادة الفردية، أو إشغال المواقف في مناطق العاصمة. وهذا الفراغ ليس هامشيًا؛ لأن السياسات الفعالة تحتاج إلى تشخيص رقمي، لا إلى انطباع عام.
ومع ذلك، يبقى الاتجاه واضحًا: الاعتماد المتزايد على المركبات الخاصة يضغط على الطرق والمواقف والنقل العام، فيما تنقل مركبات كثيرة عددًا محدودًا من الأشخاص. فالمشكلة لا تكمن في عدد السيارات وحده، بل أيضًا في كفاءة استخدامها؛ وهذا ما ينبغي قياسه قبل اقتراح الحلول، لا افتراضه.
والطرق ضرورية، وقد تعالج بعض التوسعات والأنفاق والجسور نقصًا حقيقيًا في السعة. لكن إذا بقيت ساعات بدء العمل متزامنة، والمواقف مجانية أو مدعومة، والسيارة الفردية هي الخيار الأسهل، فقد تجذب زيادة السعة، عبر ما يُعرف بالطلب المستحث، مزيدًا من المركبات حتى تعود الضغوط نفسها.
فالطلب على الرحلات تصنعه أنماط العمل والسكن والخدمات والاختيارات اليومية. ومن هنا ينبغي الانتقال من إدارة حركة المركبات إلى إدارة الرحلات: رفع إشغال المركبات، ونقل بعض الرحلات إلى النقل العام، وتوزيعها على أوقات مختلفة، والاستغناء عما لا يلزم منها. وهذه هي فكرة إدارة الطلب على النقل؛ أي توزيع الحركة زمانيًا ومكانيًا بصورة أفضل، وتقليل الاعتماد غير الضروري على السيارة عندما تتوافر بدائل أكثر كفاءة.
خمسة مسارات للحل
أولًا: جعل السيارة المشتركة خيارًا اقتصاديًا
يمكن للمؤسسات تصميم حوافز ترتبط بعدد ركاب المركبة بدلًا من دعم من يأتي منفردًا؛ مثل المساهمة في كلفة الرحلة، أو تخصيص مواقف مفضلة، أو تقديم رصيد للنقل العام.
فحافز صغير لسيارة تنقل عدة أشخاص قد يكون أقل كلفة من إنشاء مواقف جديدة، على أن تُختبر هذه الحوافز محليًا ويُقاس أثرها قبل تعميمها.
ثانيًا: تحويل الموقف إلى أداة سياسة
موقف السيارة المجاني ليس محايدًا؛ فهو يرجّح كفة القيادة الفردية. ويمكن بدلًا من ذلك توفير موقف مدعوم لمن يشارك رحلته، أو منح رصيد للنقل العام، أو توفير مواقف أبعد وأقل كلفة لمن يقود منفردًا، مع مراعاة احتياجات كبار السن وذوي الإعاقة.
وتقوم فكرة «التعويض النقدي عن المواقف» (Parking Cash-Out) على إعادة توزيع الدعم المخصص لها، بحيث لا يحصل من يقود منفردًا على ميزة غير مباشرة لا يحصل عليها مستخدم النقل العام أو مشارك الرحلة. ولأن نتائج هذه السياسة تختلف باختلاف السياق، ينبغي تجربتها وقياسها قبل تطبيقها في عمّان.
ثالثًا: توزيع الازدحام على الزمن
الازدحام مشكلة زمنية بقدر ما هو مشكلة مكانية؛ فعندما تنطلق عشرات الآلاف من الرحلات خلال الساعة نفسها، تتعرض الشبكة لضغط يفوق قدرتها.
ويمكن لمرونة ساعات العمل، وتدرّج بدء الدوام، والعمل عن بُعد حيث تسمح طبيعته، أن تخفف حدة الذروة. وحتى نقل نسبة محدودة من الرحلات إلى ما قبلها أو بعدها قد يُحدث فرقًا ملموسًا.
رابعًا: نقل عام يربط الخيارات
لا يغني النقل التشاركي عن النقل العام، ولا النقل العام عن بقية الخيارات. فالمدينة تحتاج إلى منظومة مترابطة تشمل نقلًا عامًا فعالًا، وحافلات سريعة، وسيارات مشتركة، وممرات مشاة آمنة.
وقد تكون السيارة المشتركة جزءًا من الرحلة، تنقل ركابها إلى محطة نقل عام بدلًا من قطع المسافة كاملة. فالمطلوب بناء رحلة متكاملة تجعل البديل سهلًا وموثوقًا.
خامسًا: إدارة المؤسسات التي تصنع الرحلات
الشركات والجامعات والمحاكم والمستشفيات ليست مجرد مبانٍ أو مجمعات؛ إنها مولدات يومية للرحلات، وقد تؤثر مؤسسة تستقبل آلاف الموظفين أو الطلبة والمراجعين في الحركة أكثر من تعديل تقاطع واحد.
ويمكن لهذه المؤسسات إعداد خطط تنقل تقيس القيادة الفردية، والرحلات المشتركة، وإشغال المواقف، واستخدام النقل العام وأوقات الذروة؛ لتصبح شريكًا في الحل، لا مجرد مستخدم للبنية التحتية.
ماذا تقول التجارب؟
من أكثر التجارب توثيقًا تجربة ولاية واشنطن الأمريكية، حيث أُقرّ عام 1991 قانون لتخفيف رحلات التنقل، استهدف المؤسسات الكبيرة في المناطق المزدحمة ببرامج تقلل القيادة الفردية وتشجع النقل العام والمشاركة والعمل المرن.
وبحسب البيانات الرسمية، ارتفعت نسبة الرحلات غير الفردية في 955 موقع عمل من 34.3% إلى 39.1% بين عامي 2007 و2016، مع تقدير إبقاء نحو 22,400 مركبة خارج الطرق كل يوم عمل، وانخفاض متوسط الأميال المقطوعة لكل موظف شملته القياسات بنسبة 7.4%.
والأهم من هذا التحول التدريجي هو حوكمة التجربة: مسؤولية مؤسسية واضحة، وبرامج وحوافز محددة، وقياس دوري للنتائج. ولا يعني ذلك أن عمّان تحتاج فورًا إلى قانون إلزامي مماثل، لكن الدرس القابل للنقل هو القياس على مستوى المؤسسة وربط الحوافز بالنتائج.
وقدمت دبي تجربة إقليمية مختلفة من خلال برنامج Sharekni للرحلات المشتركة. وسجّل تقرير الاستدامة لعام 2016 نحو 243 مركبة و491 مستخدمًا، وهي أرقام محدودة قياسًا بحجم التنقل اليومي في الإمارة.
وأُوقفت الخدمة اعتبارًا من 20 كانون الأول 2017، كما توقف إصدار التصاريح الجديدة، من دون إعلان أسباب تفصيلية موثقة. وتشير التجربة إلى أن نجاح الرحلات المشتركة يتطلب تنظيمًا وحوافز وثقة واستمرارية، وقيمة للمستخدم تتجاوز مجرد الربط الإلكتروني.
من يمول؟ ومن يقود التنفيذ؟
يمكن لأمانة عمّان قيادة تجربة محددة بالشراكة مع وزارة النقل وهيئة تنظيم النقل البري والمؤسسات المشاركة، فيما تموّل المؤسسات الكبيرة حوافز موظفيها بوصفها بديلًا جزئيًا لكلفة إنشاء مواقف جديدة.
ويمكن للقطاع الخاص تشغيل الجانب التقني وفق معايير السلامة والتأمين وحماية البيانات، على أن تتولى جهة مستقلة التقييم. ولتجاوز تداخل الصلاحيات، تحدد مذكرة تفاهم المسؤوليات ومؤشرات الأداء.
ويشمل القياس متوسط عدد الركاب في المركبة، ونسبة القيادة الفردية، وتوقيت الذروة، واستخدام النقل العام، وإشغال المواقف. وتُستخدم البيانات بصورة مجهّلة ومحددة الغرض؛ فالتكنولوجيا أداة للتنسيق والقياس، وليست بديلًا عن الحوافز والثقة ووضوح المسؤولية.
تجربة محددة قبل التوسع
يمكن البدء بتجربة لمدة ستة أشهر في منطقة تعاني ضغطًا مروريًا وتضم مؤسسات كبيرة. وتبدأ ببناء خط أساس يقيس عدد المركبات الداخلة إلى المنطقة، ومتوسط إشغالها، ونسبة القيادة الفردية، وإشغال المواقف وأوقات الذروة.
ثم تُطبق حزمة تشمل:
• منصة مرخصة ضمن مجموعات مؤسسية موثقة؛
• حوافز مرتبطة بإشغال المركبة، تشمل المواقف المفضلة وأرصدة النقل العام؛
• مرونة في أوقات العمل وربط الرحلات المشتركة بمحطات النقل العام؛
• حملة توعية واضحة.
ويرتبط تمويل المشغّل والحوافز بنتائج قابلة للقياس، مثل الرحلات الموثقة أو انخفاض القيادة الفردية، لا بمجرد التسجيل في المنصة.
وبعد ستة أشهر، تقارن جهة مستقلة النتائج بخط الأساس، وفق مؤشرات انخفاض القيادة الفردية، وتحسن متوسط إشغال المركبات، وتخفيف ضغط الذروة. فإن نجحت التجربة أمكن التوسع تدريجيًا، وإن لم تنجح أمكن تحديد أسباب التعثر وتعديلها قبل التعميم.
ما الذي يجب أن يتغير في القرار العام؟
عند تقييم مشاريع النقل، لا يكفي السؤال عن كيلومترات الطرق وعدد السيارات التي تستوعبها، بل ينبغي أن نسأل أيضًا: كم شخصًا تنقل؟ وكم دقيقة توفر؟ وكم رحلة فردية تخفض؟ وكيف تتكامل مع النقل العام واستعمالات الأراضي؟
فالطرق الجديدة قد تكون ضرورية، وإدارة الطلب ليست بديلًا عن الاستثمار في النقل العام أو معالجة الاختناقات، بل أداة تجعل هذه الاستثمارات أكثر كفاءة.
والمطلوب ليس إعلان حرب على السيارة، بل إعادة التوازن بين الخيارات، بحيث لا تبقى القيادة الفردية الخيار الأسهل والمدعوم، فيما يتحمل مستخدم النقل العام أو مشارك الرحلة كلفة خياره الأكثر كفاءة.
ويبدأ تخفيف الازدحام بتغيير معيار النجاح: من عدد المركبات التي تعبر الطريق إلى عدد الأشخاص الذين يصلون إلى وجهاتهم بأقل وقت وكلفة ومساحة. عندها ننتقل فعلًا من إدارة المرور إلى إدارة المدينة.
المصادر
برنامج تخفيف رحلات التنقل (Commute Trip Reduction)، وزارة النقل في ولاية واشنطن.
تقرير برنامج تخفيف رحلات التنقل لعام 2017 المقدّم إلى الهيئة التشريعية في ولاية واشنطن.
تقرير الاستدامة لعام 2016، هيئة الطرق والمواصلات في دبي.
وكالة أنباء الإمارات، خبر إطلاق تطبيق Sharekni، 2015.
صحيفة Gulf News، تعليق خدمة Sharekni ووقف إصدار التصاريح، 2018.