الثقافة هي سلوك الفرد وسلوك المجتمع، ولا يمكن اختزالها في القراءة أو الفن أو الغناء أو غيرها من المظاهر الثقافية.
والهدف الحقيقي من الاهتمام بالثقافة هو الوصول إلى الوعي الثقافي؛ أي فهم ثقافة المجتمع، والقدرة على تمييز ما هو جيد مما هو رديء فيها. ومن ثم نصل أولاً إلى أن نعيش ثقافة مجتمعنا بوعي وبقيمنا الذاتية، وثانياً إلى أن نطور هذه الثقافة الاجتماعية بحيث تصبح أكثر رقيّاً، وأكثر قبولاً للآخر، ونبذاً للعنف والتمييز، وإعلاءً لقيمة العمل الجاد والانضباط وتطوير الذات، وقادرة أيضاً على الميل إلى البهجة والاحتفال بالحياة.
فالظروف الاقتصادية والمعيشية، عندما تجتمع مع غياب الوعي الثقافي وانتشار السرديات الحدية القائمة على “معنا أو علينا”، قد تنتج مجتمعاً متشكياً ومتذمراً ومتعصباً، يميل إلى عدم الانضباط والنقد السلبي وفرض رؤيته الضيقة على الآخرين.
وللوصول إلى الوعي الثقافي، نحتاج إلى ثلاثة عوامل أساسية: فهم التراث المادي وغير المادي للمجتمع والدولة وعلاقته بالإنسان، وفهم الحاضر بما له وما عليه، ثم وضع مشروع ثقافي حضاري للمستقبل يمتلك أهدافاً وآليات واضحة للوصول إلى مجتمع معتدل ومنضبط، يعلي القيم النبيلة، وقادر على أن يفرح بمسيرته وليس فقط بنتائجه.
وقد ذكرت في مقال سابق أن الوضع الاقتصادي ليس بالضرورة مبرراً للانحرافات والسلوكيات السلبية. فالمجتمع في المدينة المنورة بعد الهجرة كان يواجه ظروفاً اقتصادية صعبة، ومع ذلك كانت هناك مرجعية أخلاقية وثقافية أسهمت في التضامن والمساندة وقبول الآخر وضبط السلوك الاجتماعي.
لذلك يبدأ البناء الثقافي للمجتمع ببناء الأصالة؛ أي ربط الإنسان الحاضر بتاريخه وأرضه والحضارات والمجتمعات التي تعاقبت عليها. فمعرفة الجذور تمنح الإنسان شعوراً بالعزة والكرامة والانتماء، وتجعله أكثر ثقة بنفسه وأقدر على بناء المستقبل.
وفي الحالة الأردنية، لا بد من فهم الحاضر أيضاً. فقد تشكلت الدولة الأردنية الحديثة في سياق تاريخي ارتبط بالقيادة الهاشمية والعشائر الأردنية، وتداخلت فيه قيم اجتماعية عشائرية وبدوية وفلاحية مع منظومة من القيم المرتبطة بالرسالة الهاشمية، مثل التسامح، وإغاثة الملهوف، والشجاعة، والكرم، وقبول الآخر.
هذه القيم ليست مجرد موروث تاريخي نحتفظ به في الكتب، بل يمكن أن تكون أساساً لبناء شخصية أردنية حديثة تجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الاعتزاز بالهوية والقدرة على التعامل مع العالم.
ومن هنا تأتي أهمية بناء سردية وطنية واضحة. فالمجتمعات التي تترك فراغاً في تعريف نفسها تسمح للآخرين بأن يعرّفوها وفق مصالحهم ورؤيتهم. وقد تعرض الأردن خلال العقود الماضية لإشاعات واتهامات وسرديات متعددة، بعضها ناتج عن خلاف سياسي، وبعضها عن خصومة أيديولوجية، وبعضها عن عدم قبول أي نموذج عربي مستقر وآمن.
والتعامل مع هذه السرديات لا يكون بالانفعال أو الشتيمة، وإنما بالمعرفة والرد العقلاني المبكر، حتى لا تتحول الإشاعة إلى رواية، والرواية إلى قناعة، والقناعة إلى جزء من وعي أجيال كاملة.
ومن المهم في بناء السردية الأردنية أن نقرأ تاريخ المنطقة قراءة علمية متكاملة، بما في ذلك التاريخ الأثري واللغوي والجيني، بعيداً عن الانتقائية السياسية. فالدراسات الحديثة في علم الوراثة القديم والسكان تقدم أدلة مهمة على الاستمرارية السكانية والتداخل بين شعوب بلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة العربية عبر آلاف السنين، وهي حقائق ينبغي أن تدخل في فهمنا لتاريخ المنطقة، لا أن تستخدم فقط في الصراعات السياسية المعاصرة.
وتشكل الأنباط مثالاً مهماً في هذا السياق. فقد كانوا جزءاً أساسياً من تاريخ المنطقة، وكانت لهم مملكة مزدهرة امتدت في أجزاء واسعة من بلاد الشام وشمال الجزيرة العربية، وارتبطت لغتهم وثقافتهم بالبيئة العربية في المنطقة، مع استخدامهم الكتابة النبطية المتطورة عن الآرامية. ثم انتشرت اللغة العربية وتطورت حضوراً وانتشاراً في المنطقة في القرون اللاحقة حتى أصبحت اللغة الجامعة لشعوب واسعة من بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية.
لذلك فإن فهم تاريخ الأردن لا ينبغي أن يبدأ من تأسيس الإمارة أو الدولة الحديثة فقط، بل من تاريخ الإنسان الذي عاش على هذه الأرض عبر آلاف السنين. الدولة الحديثة هي مرحلة من تاريخ طويل، وليست بداية التاريخ.
أما الدولة الأردنية الحديثة، فقد نشأت في سياق تاريخي معقد شاركت فيه العشائر الأردنية والقيادة الهاشمية، وتداخلت فيه نتائج الثورة العربية الكبرى مع التحولات الدولية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى وسقوط الحكم العثماني. ومهما اختلفت القراءات السياسية لهذه المرحلة، فإن ذلك لا يلغي الدور الذي لعبته القوى المحلية والقيادة الهاشمية في بناء الدولة الأردنية، ولا يلغي طموح الأردنيين إلى بناء وطن مستقل يحفظ أرضهم ومصالحهم وهويتهم.
كما أن خيانة القوى الاستعمارية لبعض الوعود التي قطعتها للعرب لا يجب أن تجعلنا نقرأ التاريخ كله من زاوية الخيانة. فهناك أيضاً إرادة عربية ومحلية وشجاعة وتضحيات أسهمت في تشكيل الواقع السياسي الجديد.
واليوم يقف الأردن أمام تحديات جديدة، من محاولات التهجير والوطن البديل إلى مشاريع الفوضى والتدخلات الإقليمية، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الداخلية.
وقد استطاعت القيادة الهاشمية، حتى الآن، أن تحافظ على الدولة الأردنية ومصالحها، وأن تتعامل مع بيئة إقليمية شديدة التعقيد دون دفع الأردن إلى مغامرات عسكرية أو صراعات تفوق قدراته. وهذه المحافظة على الدولة في منطقة مضطربة ليست أمراً بسيطاً.
لكن الحفاظ على الدولة لا يعني الاكتفاء بالحفاظ على الوضع القائم.
السياسة الداخلية الأردنية تحتاج إلى إصلاحات جريئة، وإلى أيدٍ لا ترتجف عندما يتعلق الأمر بمصلحة الوطن. إصلاح يواجه الطبقية السياسية والاقتصادية، والفساد، والترهل الإداري، ويعيد الاعتبار للعمل والإنتاج والكفاءة وتكافؤ الفرص.
وهنا نعود إلى نقطة البداية: الإصلاح ليس قانوناً أو قراراً اقتصادياً فقط، بل هو قبل ذلك سلوك وثقافة.
فلا يمكن أن نبني دولة حديثة بعقلية اجتماعية ترفض الانضباط، أو تستهين بالعمل، أو تكافئ الواسطة، أو ترى النجاح مؤامرة، أو تقيس الوطنية بالصوت المرتفع لا بالإنجاز.
لذلك فإن أول خطوات الإصلاح في الأردن ليست فقط تغيير القوانين أو الحكومات، وإنما إعادة بناء العامل الثقافي نفسه: أن نعرف من نحن، وما الذي نريد أن نكونه، وما القيم التي نريد أن تحكم سلوكنا، وكيف نحول هذه القيم من كلام عن الهوية إلى ممارسة يومية.
الأردن لا يحتاج فقط إلى مشروع اقتصادي وسياسي؛ بل يحتاج أيضاً إلى مشروع ثقافي حضاري يعيد بناء الإنسان الأردني القادر على العمل، والانضباط، والاختلاف دون خصومة، والاعتزاز دون تعصب، والنجاح دون استعلاء، والفرح بالمسيرة كما يفرح بالهدف.
عندها يصبح الإصلاح مشروعاً مجتمعياً، وليس مجرد تغيير في الأشخاص.