بسام السلمان
ما يُسمّى في اللهجة البغدادية بـ«الوير»، هو أن يدفع الرجل ثمن ما يأكله أو يشربه أحد أصدقائه في المطعم أو المقهى. وقد ذكر علي الوردي في كتابه دراسة في طبيعة المجتمع العراقي طرفةً عن شيخ دخل مقهى في الكاظمية، فسمع روّاده يهتفون «وير» كلما دخل أحد أصدقائهم، فسأل عن المعنى، ولما عرفه صاح بساقي المقهى: «أنا أخو فاطمة، ورور على الحاضرين كلهم»، ودفع حساب الجميع.
كانت الحكاية يومها عن كرمٍ شخصي، أما اليوم فقد يبدو أن «الوير» اكتشف طريقه إلى المال العام، ووسّع دائرة الحاضرين حتى صار الوطن كله هو الذي يدفع الحساب!
تأتي مناسبة، فتُرفع الرايات، وتُضاء الشوارع، وتُنصب المنصات، وتُطلق الألعاب النارية، وتُطبع اللافتات، وتُقام الاحتفالات، وتُفتح أبواب الإنفاق على مصراعيها. لا أحد يسأل كثيراً: كم بلغت الفاتورة؟ ومن سيدفعها؟ فثمة جواب جاهز: «الوير»!
والأطرف أن صاحب «الوير» الجديد لا يجلس معنا في المقهى، ولا يأكل معنا، ولا يشرب معنا، وربما لا يعرف أصلاً ماذا يوجد في قائمة الطعام. لكنه كريم جداً… بمال الوطن.
في المقهى القديم كان رجل واحد يدفع حساب أصحابه، أما في احتفالات اليوم، فالحساب على الجميع، حتى الذين لم يُدعوا إلى المائدة!
لذلك ربما نحتاج إلى إعادة تعريف «الوير» في زمننا:
أن تحتفل فئة، وتصفّق فئة، ويصرف المسؤول، ثم يأتي الوطن في آخر الليل ليدفع الفاتورة.
ويبقى السؤال: متى نقول «وير» للوطن… لا على حساب الوطن؟