د. هيفاء ابوغزالة
يكفي أن ننظر حولنا في أي مكان: في البيت، والمطعم، والمطار، والسيارة، وحتى في اللقاءات العائلية. نرى أطفالًا وشبابًا عيونهم مغروسة في الهاتف أو الجهاز اللوحي، وأصابعهم تتحرك بلا توقف بين شاشة وأخرى. قد يتحدث إليهم من يجلس بجانبهم فلا يرفعون رؤوسهم، وقد يدور حوار كامل حولهم وهم غائبون عنه. إنهم حاضرون بأجسادهم، لكن جزءًا متزايدًا من وعيهم يعيش داخل حياة صنعت تفاصيلها الخوارزميات.
وهنا يبدأ السؤال الذي ينبغي ألا نتعامل معه باعتباره مجرد قلق أسري عابر: من يملك عقل الجيل القادم؟
لم يعد الصراع في العالم يدور فقط حول من يملك الأرض أو النفط أو المياه أو الأسواق. هناك صراع أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا يدور حول الإنسان نفسه؛ حول انتباهه ووعيه وذائقته واختياراته، وحول الجيل الذي سيقود الدول والمجتمعات بعد سنوات قليلة.
ومن يجلس مع أبنائنا خلف تلك الشاشات؟
الإجابة ليست شخصًا واحدًا. هناك شركات التكنولوجيا الكبرى، ومنصات التواصل، وصناع المحتوى، والمعلنون، والمؤثرون، والألعاب الإلكترونية، ومحركات البحث، ونماذج الذكاء الاصطناعي، وفوق كل ذلك خوارزميات تتعلم باستمرار ماذا يحب المستخدم، وأين يتوقف، وما الذي يخيفه أو يثيره أو يغضبه، ثم تقدم له المزيد منه.
فالاقتصاد الرقمي اكتشف ثروة جديدة اسمها الانتباه البشري. وكل دقيقة إضافية يقضيها المستخدم أمام الشاشة لها قيمة. ولهذا فإن المنافسة لم تعد فقط على أموالنا، بل على وقتنا وانتباهنا، ومن يربح انتباه الطفل اليوم قد يمتلك قدرة أكبر على التأثير في اختياراته غدًا.
وهنا نفهم لماذا يصعب على طفل أن يترك الهاتف حتى عندما يناديه والداه، ولماذا ينتقل الشاب من مقطع إلى آخر دون أن يشعر بمرور الوقت. فهذه المنصات لا تقدم المحتوى بصورة عشوائية، بل تتعلم باستمرار أي محتوى يستطيع إبقاء المستخدم أطول مدة ممكنة.
لقد انتقلنا من زمن كان فيه الإنسان يبحث عن المعلومة إلى زمن أصبحت فيه المعلومة تبحث عن الإنسان.
لكن من يصنع العالم الذي يعيش فيه أبناؤنا داخل الشاشة؟
إنه عالم تشارك في صنعه الخوارزمية، لكنها ليست وحدها. يصنعه كذلك من ينتج المحتوى، ومن يموله، ومن يروج له، ومن يملك المنصة، ومن يحدد قواعدها. ولهذا قد يعيش طفل في عمّان أو القاهرة أو الرباط داخل بيئة ثقافية رقمية أقرب إلى بيئة طفل على بعد آلاف الكيلومترات منه من البيئة الموجودة في الحي الذي يسكن فيه.
وهذا ليس بالضرورة أمرًا سلبيًا؛ فالانفتاح على العالم قيمة عظيمة. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الانفتاح إلى استبدال غير واعٍ للمرجعيات، وعندما يعرف الطفل المؤثر الذي يعيش في قارة أخرى أكثر مما يعرف شخصيات مجتمعه وتاريخه وثقافته، أو تصبح قيمته الذاتية مرتبطة بعدد الإعجابات والمشاهدات.
وهنا نصل إلى السؤال الأصعب: من يملك مفاتيح عقل الجيل القادم؟
الجواب المقلق هو: من يمتلك أكبر قدرة على الوصول إليه، وفهم سلوكه، والاستحواذ على انتباهه، وتكرار رسائله أمامه.
لكن هذه ليست نهاية القصة.
فمفاتيح عقل الجيل القادم لا ينبغي أن نسلمها للخوارزمية، ولا أن نتركها حكرًا على الأسرة، ولا أن نتوقع من المدرسة وحدها استعادتها. المسؤولية مشتركة، لكنها تبدأ باعترافنا بأن ما يحدث أمامنا ليس مجرد «إدمان هواتف»، بل تحول عميق في مصادر التنشئة وصناعة الوعي.
وهذا يفرض علينا أن نعيد تعريف التربية نفسها.
فلم يعد كافيًا أن نعلم الطفل القراءة والكتابة والحساب. علينا أن نعلمه كيف يسأل: لماذا ظهر لي هذا المحتوى؟ من صنعه؟ من يستفيد من مشاهدتي له؟ هل ما أراه حقيقة أم رأي أم إعلان أم تضليل؟ ولماذا تقترح عليّ المنصة المزيد من الفكرة ذاتها؟
نحتاج إلى جيل يستطيع أن يقرأ الخوارزمية قبل أن تقرأه، ويفهمها قبل أن تقوده.
وهنا يأتي دور الأسرة، ليس بمصادرة الهاتف وتحويله إلى ثمرة ممنوعة، وإنما باستعادة الحوار. فالمنافس الحقيقي للشاشة ليس المنع، بل علاقة إنسانية تجعل الطفل يريد أن يرفع رأسه من الهاتف عندما يحدثه والداه.
وتأتي المدرسة لتنتقل من مجرد استخدام التكنولوجيا في التعليم إلى تعليم الوعي بالتكنولوجيا. فالطالب الذي يعرف تشغيل التطبيقات ليس بالضرورة مواطنًا رقميًا واعيًا. الثقافة الرقمية يجب أن تشمل التفكير النقدي، والتحقق من المعلومات، وفهم الخوارزميات، وحماية الخصوصية، وإدارة الوقت والانتباه.
أما الدولة، فعليها أن تنظر إلى القضية باعتبارها جزءًا من الأمن الوطني والاجتماعي والثقافي. وكما أنشأنا منظومات للأمن السيبراني لحماية الشبكات والبيانات، فنحن بحاجة إلى ترسيخ مفهوم الأمن المعرفي للأجيال لحماية القدرة على التفكير والتمييز والاختيار الحر.
وهذا لا يعني الرقابة على العقول، بل العكس تمامًا؛ يعني حمايتها من أن تتحول إلى أهداف سهلة للتلاعب.
وعلى شركات التكنولوجيا والمنصات أيضًا مسؤولية لا يمكن إعفاؤها منها. فليس مقبولًا أن تكون حماية الأطفال مسألة اختيارية، أو أن تبقى كيفية عمل الخوارزميات المؤثرة فيهم صندوقًا مغلقًا بالكامل. حماية بيانات القاصرين، وضبط المحتوى الضار، وتصميم منتجات أكثر أمانًا للأطفال، ورفع مستوى الشفافية والمساءلة، كلها قضايا أصبحت جزءًا من المسؤولية الرقمية.
ويبقى السؤال العربي: ماذا نقدم نحن؟
لا يكفي أن نشكو من المحتوى الذي يصل إلى أبنائنا بينما لا نستثمر بما يكفي في إنتاج البديل. فالهوية لا تُحمى بالمنع، وإنما بالمنافسة. نحتاج إلى محتوى عربي ذكي وجذاب، وإلى ألعاب ومنصات وبرامج تعليمية وصناعة ثقافية رقمية قادرة على مخاطبة الجيل بلغته الجديدة، لا بلغة الوعظ القديمة.
إننا نراقب ماذا يأكل أطفالنا، وأين يذهبون، ومع من يخرجون، ومتى يعودون إلى المنزل. لكننا قد نضع في أيديهم جهازًا صغيرًا يستطيع أن يأخذهم كل يوم إلى آلاف الأماكن، ويُدخل إلى عقولهم آلاف الأشخاص والأفكار والصور، من دون أن نسأل: إلى أين ذهبوا وهم جالسون أمامنا؟
لذلك فإن الإجابة عن سؤال: من يملك عقل الجيل القادم؟ ليست قدرًا محسومًا.
الخوارزميات تملك قوة هائلة، والمنصات تملك البيانات، والشركات تملك التكنولوجيا، والمؤثرون يملكون القدرة على الجذب؛ لكن الأسرة تملك العلاقة، والمدرسة تملك المعرفة، والمجتمع يملك الثقافة، والدولة تملك التشريع والسياسات، والشباب أنفسهم يملكون في النهاية حق الاختيار إذا منحناهم أدوات الوعي.
وهنا تكمن المعركة الحقيقية.
ليست مهمتنا أن ننتزع الهاتف من يد الجيل القادم، بل أن نعيد إليه القدرة على أن يمسك الهاتف دون أن يمسك الهاتف بعقله.
فالسؤال لم يعد فقط: من يملك عقل الجيل القادم؟
السؤال الذي يجب أن نبدأ بالإجابة عنه اليوم هو:
كيف نعيد للجيل القادم ملكية عقله؟