الرمثا نت – أقيمت ضمن فعاليات البرنامج الثقافي لمعرض عمان الدولي للكتاب 2026 أمس الجمعة، ندوة بعنوان “الرواية وأسئلة الإنسان المعاصر”، ناقشت التحولات الوجودية والاجتماعية والفلسفية التي تواجه الإنسان المعاصر ومدى قدرة الفن الروائي على صياغة أسئلته ومقاومة محو الذاكرة.
وشارك في الندوة، الروائية أسماء ناصر من فلسطين، والكاتب عبد السلام ناصر، والباحث والكاتب سامر حيدر المجالي، وإدارة الصحفي محمد جميل خضر.
الروائية أسماء ناصر
وشدد الروائية أسماء ناصر على أن الحديث عن السرد والشخصيات والجماليات الأدبية وسط هذا العالم ليس ترفاً فكرياً أو صناعة للوهم، بل هو فعل المقاومة الأخير لمجابهة العدمية في عالم يسعى لتجريد الإنسان من معناه وتحويله إلى رقم أو خوارزمية
وانتقدت سعي قطاع من الأدب العربي نحو استيراد مفاهيم وقلق جاهز من صالونات باريس أو مقاهي برلين وإسقاطه على مجتمع لا يعاني من “شبع الوجود” الذي يولد الفراغ الفلسفي، بل من “سحق الوجود” الذي يولد الخوف والبحث عن النجاة والحرية وسط القهر والهزائم.
وأوضحت الروائية الفلسطينية أسماء ناصر، أن الرواية الحقيقية تنبش في ترابها الخاص لتنتقل من سؤال التعريف التوثيقي الجاهز “من نحن؟” إلى سؤال “كيف نعرف أنفسنا في عالم متغير؟”، مستشهدة بتجليات الهوية وفقدان الجغرافيا وتناول المكان كحيز نفسي وفلسفي لدى غسان كنفاني في “ما تبقى لكم”، وباسم خندقجي في “قناع بلون السماء”، وإبراهيم نصر الله في “زمن الخيول البيضاء”، وحسين البرغوثي في “الضوء الأزرق”.
وأضافت أن السردية الفلسطينية تقدم الوجود كفعل مقاومة وتفكيك للأزمة الوجودية كما تجسد في صرخة كنفاني بـ “رجال في الشمس” لتعرية الصمت الجمعي، وفي “عائد إلى حيفا”، وأعمال إميل حبيبي كـ “المتشائل”.
كما استعرضت خصوصية الرواية الأردنية في طرح قلق التحول والاغتراب داخل المدينة وصراع الأجيال واشتباك الهوية بدءاً من تيسير سبول في “أنت منذ اليوم” ومؤنس الرزاز في “أحياء في البحر الميت” وصولاً إلى جمال ناجي وسميحة خريس.
وختمت الكاتبة الفلسطينية ناصر، بتوضيح دور الرواية في تفكيك الخطاب الإعلامي، إذ بينت أن الإعلام يكتفي بنقل الخبر الرقمي المجرد كمقتل عشرين شخصاً، بينما تأتي الرواية لتتبع حياة الفرد وقهوته الصباحية وخيباته لتحول الرقم إلى وجود وتستعيد إنسانيته المهدورة.
الروائي والباحث سامر حيدر المجالي
من جانبه، قدم الروائي والباحث سامر حيدر المجالي قراءة تفكيكية لعنوان الندوة، مؤكداً أن تناول أسئلة الإنسان المعاصر يتطلب تحديد ماهيته عبر أربع محطات مفصلية شهدتها البشرية، وبين أن الثورة الصناعية الأولى في منتصف القرن الثامن عشر طرحت أسئلة حول هوية الإنسان ومستقبله وما إذا كان سيتحول إلى كائن أعلى أو إله بعد فهمه للقوانين الفيزيائية، لتتبعها الثورة الصناعية الثانية في القرن التاسع عشر بأسئلة السلطة بكافة أشكالها وسؤال الحرية الاستهلاكية أو الروحية
وأضاف أن الثورة الثالثة منتصف القرن العشرين فجرت أسئلة تغول رأس المال والشركات عابرة القارات وهيمنتها على الدولة والإنسان، وصولاً إلى الثورة الرقمية ووسائل التواصل والذكاء الاصطناعي التي فجرت أسئلة ما بعد الحداثة، والأصولية، والسرديات الكبرى، وضبابية الحد الفاصل بين الواقع والافتراضي والزيف الاصطناعي .
واستعرض المجالي كيف جير الأدب العالمي هذه الأسئلة عبر روايات تاريخية مثل “الأرض المسطحة” لإدوين أبوت في معالجة الأبعاد الوجودية، و”أطلون واقبار” لخورخي بورخيس في خلق عوالم مفترضة، و”1984″ لجورج أورويل في تعرية محو الذاكرة ومراقبة السلطة، و”عالم جديد شجاع” لألدوس هكسلي في نقد السعادة الاستهلاكية المزيفة، و”المسخ” لفرانز كافكا في تصوير ضحايا البيروقراطية.
وعلى صعيد الرواية العربية والمحلية، أشار الكاتب المجالي إلى معالجة أمين معلوف لأزمة الهوية في “صخرة طانيوس”، وتناول سميحة خريس لتفكك الروابط الأسرية والإرهاب في “بقعة عمياء”، معرجاً على تجربته الروائية الخاصة في “المؤابي” لمساءلة التاريخ وإسقاطه برؤية موضوعية على الحاضر، ورواية “المهندس” في تشريح مشكلات الشباب العربي وتغول لغة المال والشركات خلف السياسة.
الروائي الأستاذ عبد السلام صالح
بدوره، استهل الروائي الأستاذ عبد السلام صالح كلمته بالتأكيد على أن الثابت الوحيد في هذا الوجود هو التغير المستمر، مبيناً أن الرواية ظلت عبر تاريخها مواكبة للتطور الحضاري في كافة تحولاتها الكلاسيكية والرومانسية والواقعية وصولاً إلى الحداثة والتجريب.
وأوضح أن أسئلة الوجود والمعنى تظل في صدارة اهتمامات الرواية والإنسان العربي المعاصر الذي يرزح تحت تشتت وضياع وسقوط مدوي للأفكار الكبرى، مستشهداً بمقولة ميلان كونديرا بأن هدف الرواية هو الإخبار بأن الحياة لا تسير بالبساطة التي نتخيلها.
وتساءل صالح باستنكار عن كيفية قدرة الروائي العربي على الإجابة عن أسئلة العصر وهو مكبل بـ “مثلث المحرمات”، ومحاصر بظروف المنع وغيرها؛ مؤكداً أن الحرية هي جذر وتربة الإبداع الأساسية وبدونها لا يمكن للنص أن يلامس عقل القارئ وروحه.
وكشف صالح عن رؤيته الأدبية في ظل هذا الواقع “المأزوم”، مشيراً إلى اقتباس من روايته القادمة حول توزيع العبث والعدم على الناس بالتساوي كما كان يوزع الفقر، ومؤكداً أنه اتجه لصياغة “وهمه الخاص” في روايته الجديدة مستنداً إلى الإشراقة الصوفية لأبي حيان التوحيدي في أن الدهشة تكمن في أن “تعض على الفهم بالوهم”.
وفي ختام الندوة، كرم رئيس اتحاد الناشرين الأردنيين ومدير معرض عمان الدولي للكتاب جبر أبو فارس، المشاركين.
ندوة “الرواية وأسئلة الإنسان المعاصر” تؤكد على حماية الذاكرة ومواجهة تحولات العصر الرقمي
23
المقالة السابقة