المهندسة ريم ابو الرب
بعد أكثر من ثلاثين عاماً من العمل في قطاع الإدارة المحلية، ثم عودتي اليوم لتولي رئاسة إحدى اللجان البلدية، أجد نفسي أمام واقعٍ مؤلم وصلت إليه كثير من البلديات؛ واقع لا يمكن إصلاحه، في تقديري، بالحلول الجزئية أو المؤقتة، بل يحتاج إلى إعادة تفكير جادة في شكل الإدارة المحلية وآليات عملها.
ومن هنا أطرح سؤالاً أعتقد أنه يستحق النقاش:
لماذا لا تتحول محافظة إربد إلى أمانة، على غرار أمانة عمّان الكبرى، ضمن نموذج إداري حديث يراعي خصوصية مناطق المحافظة واحتياجاتها؟
إن المتابع لواقع البلديات يلمس جملة من الاختلالات التي تراكمت عبر سنوات طويلة. فنسب الرواتب في عدد من البلديات مرتفعة، وهي لا تعكس دائماً احتياجات العمل الفعلية، كما أن سياسات التعيين لم تكن مستقرة، بل تأرجحت من مرحلة إلى أخرى تبعاً للسياسات والقرارات الحكومية؛ فتُفتح التعيينات في مرحلة وتتوقف في أخرى، من دون أن يكون هناك دائماً تخطيط طويل الأمد للموارد البشرية قائم على الحاجة والكفاءة.
وفي الوقت نفسه، نجد في بعض البلديات أعداداً كبيرة من الموظفين، لكن ذلك لا يعني بالضرورة توفر الكفاءات والتخصصات التي تحتاجها البلدية على أرض الواقع. فقد يكون هناك فائض عددي يقابله نقص حقيقي في تخصصات فنية وهندسية ومالية وإدارية أساسية.
والأمر ذاته ينطبق على الآليات والمعدات؛ فبينما تمتلك بعض البلديات آليات بحالة جيدة، تعاني أخرى من أساطيل متهالكة تستنزف موازناتها في الصيانة والمحروقات، مع تفاوت واضح في الإمكانات بين بلدية وأخرى، رغم تقارب طبيعة الخدمات المطلوبة منها.
يضاف إلى ذلك ارتفاع المديونية في عدد كبير من البلديات، والترهل الإداري، وضعف المساءلة، ووجود ممارسات واختلالات قد تفتح المجال أمام الفساد أو سوء الإدارة.
أما المواطن، وهو الغاية الأساسية من وجود البلدية، فما زال في بعض المناطق مضطراً إلى مراجعة البلدية والمطالبة بخدمات هي في الأصل من أبسط حقوقه. ومن غير المقبول أن يضطر المواطن إلى البحث عن واسطة أو تقديم طلب ومتابعته مراراً للحصول على خدمة نظافة، أو إنارة شارع، أو صيانة طريق، أو معالجة مشكلة يفترض أن ترصدها المؤسسة وتعالجها من تلقاء نفسها ضمن برامج عمل واضحة.
والأكثر خطورة أن الدور التنموي للبلديات يكاد يكون غائباً في كثير من الحالات؛ فالبلدية التي تستنزف مواردها وطاقتها في محاولة توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، لن تتمكن من التفكير في الاستثمار، أو التنمية المحلية، أو خلق فرص العمل، أو تطوير الفضاءات العامة، أو تحسين نوعية الحياة.
وحتى توزيع الخدمات الأساسية قد لا يتم دائماً وفق معايير موضوعية وعادلة، بل قد يتأثر أحياناً بالأولويات الشخصية أو المناطقية، في حين أن الأصل أن تُوجَّه الموارد وفق مؤشرات واضحة للحاجة والكثافة السكانية وحالة البنية التحتية والأولوية التنموية، لا وفق أي اعتبار آخر.
وهذه ليست سوى بعض الملاحظات؛ فهناك الكثير مما يمكن الحديث عنه في واقع الإدارة البلدية، لكن الهدف ليس تعداد المشكلات بقدر ما هو فتح النقاش حول نموذج مختلف للحل.
إربد أمانة كبرى
لماذا لا ندرس جدياً إنشاء أمانة إربد الكبرى، بحيث تضم مناطق المحافظة ضمن منظومة إدارية ومالية وفنية متكاملة، مع الحفاظ على تمثيل حقيقي لكل منطقة في مجلس الأمانة؟
يمكن أن يكون لكل بلدية أو منطقة حالية تمثيلها العادل في مجلس الأمانة، وأن تُدار المناطق من خلال كوادر مهنية وكفاءات متخصصة، ضمن خطط موحدة ومعايير خدمة واحدة، بدلاً من تعدد الإدارات والإمكانات وتفاوت مستويات الخدمة من منطقة إلى أخرى.
إن توحيد الموارد من شأنه أن يسمح بإنشاء أسطول مركزي قوي من الآليات والمعدات، يتم تجديده وتطويره بصورة مدروسة، وتوجيهه إلى المناطق وفق الحاجة الفعلية وحجم العمل، بدلاً من أن تمتلك بلدية آليات تفوق حاجتها بينما تعجز بلدية مجاورة عن تنفيذ أبسط أعمالها بسبب نقص الآليات.
كما يمكن للأمانة أن تستقطب الكفاءات الهندسية والفنية والمالية والتخطيطية التي قد يصعب على كل بلدية صغيرة توفيرها منفردة، وأن تنشئ إدارات متخصصة للتخطيط الحضري والاستثمار والنقل والبيئة والبنية التحتية والتحول الرقمي والتنمية المحلية.
والأهم أن تتحول الإدارة من مفهوم رد الفعل وتلقي الشكاوى إلى مفهوم العمل المؤسسي؛ بحيث تكون هناك برامج دورية للنظافة والإنارة وصيانة الطرق وتصريف مياه الأمطار وغيرها، يعرف المواطن من خلالها مستوى الخدمة الذي يستحقه ومتى ستصل إليه، دون حاجة إلى واسطة أو مراجعات متكررة.
ويمكن أن يكون على رأس هذه المنظومة أمين لإربد بصلاحيات تنفيذية واسعة ومكانة إدارية رفيعة، على غرار النموذج المعمول به في أمانة عمّان الكبرى، بما يمنح المؤسسة قدرة أكبر على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية والمساءلة عن النتائج.
عندها أيضاً يمكن إعادة صياغة العلاقة مع وزارة الإدارة المحلية؛ فلا تبقى البلديات في حالة شكوى مستمرة من تدخل الوزارة في قراراتها، ولا تبقى الوزارة مضطرة إلى التدخل في التفاصيل اليومية لعدد كبير من البلديات. تكون هناك مؤسسة محلية كبيرة وقوية، تمتلك الموارد والكفاءات والصلاحيات، وتُحاسب في المقابل على أدائها ونتائجها.
ولن يكون الهدف من إنشاء الأمانة مجرد دمج بلديات أو تغيير مسميات؛ فهذا وحده لا يحل المشكلة. المطلوب هو إعادة هيكلة حقيقية: توحيد الموارد، معالجة الاختلالات الوظيفية، توزيع الكفاءات حسب الحاجة، بناء قاعدة موحدة للأصول والآليات، اعتماد معايير عادلة للخدمات، تعزيز الرقابة والمساءلة، وتوجيه جزء أكبر من الموارد نحو التنمية والاستثمار بدلاً من استنزافها في النفقات التشغيلية.
لدينا تجربة أمانة عمّان الكبرى، وبغض النظر عن الملاحظات التي يمكن أن تسجل على أي مؤسسة، فإن ما حققته عمّان من قدرة مؤسسية وتخطيطية وتنفيذية يستحق أن ندرسه، وأن نسأل: لماذا لا يكون لإربد نموذج إداري قوي يتناسب مع حجمها وأهميتها؟
قد يختلف الكثيرون مع هذه الفكرة، وقد يؤيدها آخرون، وهذا أمر طبيعي. وأنا أطرحها باعتبارها رأياً شخصياً نابعاً من تجربة طويلة في العمل البلدي ومن واقع أراه اليوم على الأرض، لا باعتبارها حلاً جاهزاً أو وحيداً.
لكنني على يقين من أمر واحد:
واقع البلديات اليوم يستحق منا أن نفكر خارج الإطار التقليدي، وأن نناقش حلولاً جذرية لا حلولاً مؤقتة.
فإذا كانت الغاية هي خدمة المواطن وتحقيق تنمية محلية حقيقية، فلا ينبغي أن يكون السؤال: كيف نحافظ على الشكل القائم؟
بل الأجدر أن نسأل:
ما النموذج الإداري الأكثر كفاءة وعدالة وقدرة على خدمة إربد وأهلها خلال العقود القادمة؟
وربما تكون أمانة إربد الكبرى واحدة من الأفكار التي تستحق أن توضع على طاولة النقاش والدراسة الجادة.
لماذا لا تصبح إربد أمانة؟
17
المقالة السابقة