بسام السلمان
بعد التقاعد، يرتدي الوزير أو النائب أو العين أو المسؤول الكبير «البيجامة الحمراء»، ويجلس صباحا ومساء يحتسي القهوة، ويحرك هاتفه بأصابعه بحثا عن خبر يذكره بالاسم، أو صديق أرسل له رسالة يطمئن فيها على صحته، أو إنسان سبق أن خدمه يطرح عليه تحية الصباح أو المساء.
لكنه، وللأسف، لا يجد شيئا من ذلك، لقد تقاعد… فنسيه الناس!
بعضهم يحاول، من خلال الجاهات والاحتفالات، وحتى قيادة الدبكة، أن يظل حاضرا في الساحة، وأن يثبت أنه ما زال موجودا وله حضور وتأثير، لكن، للأسف، فإن الشمس لا يغطيها الغربال، وصديقنا المتقاعد من المسؤولين الكبار أصبح بعيدا كل البعد عن الشمس، وحتى عن الغربال!
فالمنصب، مهما كان كبيرا، له عمر، والسلطة مهما امتدت، لها نهاية، والأضواء التي كانت تلاحق المسؤول في كل مكان تنطفئ بمجرد أن يغادر كرسيه.
وفي هذا السياق، كتب الزميل عصام مبيضين: «أصبحت البيجامات تدب الرعب في قلوب البعض، من الخوف، حتى إننا يمكن أن نطلق عليها فوبيا البيجامات”.
ويضيف مبيضين”البيجامات المخططة بانتظار المتقاعدين، وطقوس في الصباحات الجميلة، واحتساء فناجين القهوة، وتقليب أجنحة الذكريات، والهواتف مركونة، بعد أن كان الهاتف لا يتوقف”.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة الساخرة، قبل التقاعد، كان الهاتف لا يتوقف عن الرنين، والرسائل تتوالى، والناس تتسابق للوصول إلى المسؤول، والطلبات لا تنتهي، والمواعيد مزدحمة، والجاهات تبدأ باسمه وتنتهي عنده.
أما بعد التقاعد، فقد يتحول الهاتف نفسه إلى قطعة أثاث على الطاولة، لا مكالمات… لا طلبات… لا رسائل… ولا حتى «صباح الخير»!
ذلك هو الاختبار الحقيقي بعد التقاعد، فالذي يبقى له أصدقاء بعد أن يترك الكرسي، هو الذي كان صديقا للناس قبل أن يصبح مسؤولا.
أما من يكتشف فجأة أن هاتفه لا يرن، وأن «صباح الخير» أصبحت نادرة، وأن الجاهات لم تعد تبحث عنه، فربما عليه أن يعيد قراءة سنوات المنصب، لا ذكرياته فقط، بل علاقاته أيضا.