84
أول مرة رأيتُ فيها الظلم أمامي، لم أكن أعرف شيئًا عن القانون، ولا عن المحاكم، ولا عن معنى أن تكون محامياً.
كان عمري عشر سنوات فقط، وكنتُ في المرحلة الابتدائية. كنت أحب الجلوس في آخر مقعد في الصف. ربما لأنني كنت أرى الجميع من هناك.
في أحد الأيام، كانت المعلمة تكتب على السبورة، وكان ابنها يجلس في المقعد الأول إلى جانب أحد الطلاب. رأيته يضرب زميله بالقلم على يده.
ثم حدث شيء لم أفهمه وقتها…
بعد أن ضربه، بدأ هو بالبكاء والصراخ، واشتكى للمعلمة مدعياً أن زميله هو الذي بدأ وضربه!
التفتت المعلمة، وصدّقت ابنها دون أن تسأل كثيراً.
أما الطالب الذي ضُرب فعلاً، فعاقبته بالعصا على يده، ثم طردته من الصف.
كان المشهد بالنسبة إليّ غير محتمل.
لا أعرف لماذا وقفت من مكاني فجأة وقلت لها:
«هو مظلوم… ابنك هو الذي ضربه أولاً، وأنا رأيت ما حدث.»
لم تصدقني.
نظرت إلى بقية الطلاب، لكن أحداً لم يتكلم. كانوا خائفين منها.
جادلتها، فكان الحل بسيطاً بالنسبة إليها: طردتني أنا أيضاً من الصف.
خرجت إلى ساحة المدرسة، فوجدت الطالب الذي عوقب ظلماً هناك.
قلت له: «تعال، نذهب إلى المديرة. أنا أشهد معك.»
ثم نظرت إلى يده، وكانت علامة ضربة القلم ما تزال واضحة عليها.
وقلت له بثقة طفلة اكتشفت لتوها عالم الإثبات:
«وهذا دليل!»
كنت أملك شاهداً واحداً… هو أنا.
وأملك دليلاً مادياً… الأثر على يده.
وبقيت المشكلة في الشهود الذين رأوا وسكتوا خوفاً.
ذهبنا إلى المديرة، واستمعت إلينا، ونظرت إلى يد الطالب، ثم جاءت معنا إلى الصف.
وقفت أمام الطلاب وقالت لهم:
«لا تخافوا، قولوا الحقيقة.»
وحين زال الخوف، تكلموا.
شهدوا بأن ابن المعلمة هو الذي كان يعتدي على ذلك الطالب، وأن الأمر لم يكن يحدث للمرة الأولى، وأن والدته كانت تصدقه في كل مرة.
وانكشفت الحقيقة.
كانت تلك، دون أن أدرك وقتها
أول محاكمة أحضرها في حياتي… وأول قضية أتولى فيها الدفاع عن مظلوم وأكسبها..
كنت في العاشرة من عمري.
لم أكن أعرف معنى «قرينة»، ولا «دليل مادي»، ولا «شهادة شاهد»، ولا أعرف أن هناك مهنة اسمها المحاماة تقوم في جوهرها على الدفاع عن الحقوق.
كنت أعرف شيئاً واحداً فقط:
أنني رأيت ظلماً يحدث أمامي ولم أستطع أن أبقى جالسة في آخر الصف.
بعض المهن لا نختارها عندما نكبر…
ربما تبدأ فينا منذ الطفولة، قبل أن نعرف حتى اسمها.