حين نقرأ خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فانه من السهولة بمكان أن نتعامل معه بوصفه خطاباً سياسياً عن فلسطين، والأمن الإقليمي والعالمي، وموقف الأردن والأمن الوطني. لكن القراءة السيكولوجية تكشف مستوى أعمق بكثير. فالخطاب لم يبدأ من الحدث السياسي نفسه، بل من كيفية إدراك العالم للحدث، ومن قدرة الأزمات المتلاحقة على استنزاف الانتباه وتحويل المأساة المتكررة إلى مشهد مألوف. وبالتالي فان الخطاب يقوم على بنية نفسية–سياسية واضحة تتجاوز الخطابات المألوفة. فالخطاب لا يبدأ من سؤال: ماذا يحدث؟ بل من سؤال أكثر إزعاجاً: ماذا يحدث لعقولنا وإدراكنا عندما نرى المأساة نفسها تتكرر مرة بعد مرة؟ ومن هنا تأتي احدى أفكار الخطاب عمقا : ما نهمله اليوم، غالبا ما يشكل مستقبنا.
ومن هنا جاء المدخل اللافت في الخطاب من مفهوم الانتباه. فالانتباه Attention ، هو المدخل السيكولوجي الحاكم للخطاب: ما يحظى بالانتباه يبقى حاضراً في دوائر الفعل والقرار، وما يفقد الانتباه يتراجع إلى الهامش حتى وإن استمر أثره أو تفاقم. وقد وصف الخطاب الانتباه لا باعتباره مفهوما نفسيا مجردا ولا بكونه مورداً معرفياً فقط، بل “مورداً جيوسياسياً”. فما يحظى بانتباه العالم يبقى في دائرة الفعل والضغط والدبلوماسية، وما يفقد هذا الانتباه يبدأ بالتراجع إلى الهامش، مهما كانت خطورته. والدلالة هنا أن النسيان لا يبدأ بفقدان المعرفة، بل بفقدان الانتباه.
ومن هنا نصل إلى المنطلق النفسي الثاني: الاعتياد .Normalization or Habituation اذ ينطلق الخطاب، بذلك، من فرضية نفسية أساسية مفادها أن أخطر ما يمكن أن يحدث أمام الأزمات الممتدة هو الاعتياد ؛ إذ يمكن لتكرار مشاهد القتل والعنف والتهجير والاستيطان أن يخفض حساسية المستمع أو المشاهد تجاهها، فيصبح غير المقبول مألوفاً، ويصبح المؤقت دائماً. ولذلك يسعى الخطاب إلى إعادة تنشيط الوعي بالمشكلة من خلال كسر الاعتياد، وإعادة تسمية الوقائع بمصطلحات أكثر مباشرة، وربط اللغة بالمسؤولية والمساءلة.وهنا تكمن إحدى الرسائل العميقة في الخطاب: الخطر ليس فقط في وقوع المأساة، بل في أن نتعلم التعايش معها نفسياً وسياسياً.
ثم ينتقل الخطاب إلى آلية نفسية شديدة الأهمية هي التنافر المعرفي Cognitive Dissonance . فهو يضع المجتمع الدولي أمام الفجوة بين منظومة القيم المعلنة وبين الممارسة الفعلية. فنحن نتحدث عن قانون دولي، ومساءلة، وسيادة قواعد، وبين ما يعرضه الخطاب من ممارسات تستوجب المساءلة ولا تقابل باستجابة متناسبة. والحجة هنا ليست فقط إدانة فعل معين، بل دفع المستمع أو المشاهد إلى مواجهة التناقض بين ما يقول إنه يؤمن به وما يقبله عملياً. وهنا يصبح السؤال سيكولوجياً وأخلاقياً بقدر ما هو سياسي: كيف يمكن للإنسان أو المنظمة أن تحتفظ بصورة أخلاقية عن ذاتها بينما تقبل واقعاً يناقض هذه الصورة؟
ولهذا لا يكتفي الخطاب بعرض الوقائع، بل يحاول كسر الاعتياد من خلال إعادة تسميته. وهنا يظهر مفهوم التأطير اللغوي Reframing the Language. فاللغة ليست حيادية؛ والمصطلح ليس مجرد وصف، بل هو أيضاً إطار للإدراك. اذ يرفض الخطاب اللغة المخففة التي قد تحجب طبيعة الأفعال، ويستبدلها بتوصيفات أكثر مباشرة.فعندما يعاد تعريف الاستيلاء على الأرض مثلاً بوصفه ضماً فعلياً، فإن الخطاب لا يغيّر المفردة فقط، بل يغيّر الطريقة التي يُفهم بها الفعل، وكذا بالنسبة للتشريد باعتباره تهجيرا، وعنف المستوطنين بوصفه ارهابا، والحواجز الأمنية بوصفها اخضاعا. والدلالة هنا، أن اللغة ليست وعاء محايدا للواقع. فالطريقة التي نسمي بها الحدث تحدد بدرجة كبيرة طريقة الاستجابة له والحكم عليه.
وتظهر في الخطاب كذلك محاولة واضحة لمقاومة فك الارتباط الأخلاقي Moral Disengagement ؛ أي الحالة التي تسمح للمستمع او المشاهد بالابتعاد نفسياً عن نتائج حدث يعرفه جيداً. وهذا يتبدى من اشارة جلالته الى أن أدوات الضغط والمساءلة موجودة، لكن لا يتم استخدامها بالقدر الكافي او لا تستخدم أبدا، وهو بذلك ينقل المستمع أو المشاهد من موقع: “لا نستطيع” إلى موقع أكثر صعوبة: “قد نكون لا نختار أن نفعل”. وبالتالي فان عدم الفعل هو خيار. وهذه نقلة نفسية وسياسية بالغة الأهمية. والدلالة هنا، أن السلوك الذي لا يترتب عليه كلفة لا يتوقف بالضرورة، بل قد يتعزز ويزداد تكراره.
لكن الخطاب لا يبقى في مساحة المناشدة أو المكاشفة الأخلاقية، اذ تتغير الوظيفة النفسية للخطاب عند الحديث عن المهددات لأمن الاردن ومياهه حيث نصل الى الرسالة الردعية Deterrence Messaging.فعندما يصل الحديث إلى الحدود الشمالية والأمن المائي والمصالح الوطنية، تصبح اللغة أكثر تحديداً، ويظهر خط فاصل بين الالتزام بالدبلوماسية وبين الاستعداد لحماية الأمن الوطني. فالدبلوماسية تبقى خياراً أساسياً، ولكنها لا تُقدَّم باعتبارها مرادفة للضعف. وهنا تظهر واحدة من أهم الرسائل السياسية في الخطاب: يمكن للدولة أن تكون معتدلة دون أن تكون مترددة، وأن تكون دبلوماسية دون أن تتخلى عن خطوطها الحمراء. ولذلك، فان الدلالة هنا هي ” بنية ردعية متوازنة” تتمثل في وضوح الخطوط الحمراء، ووضوح الارادة.
وفي الوقت ذاته، يعيد الخطاب بناء صورة الأردن من خلال التموضع الاستراتيجي للدولة Strategic Self- Positioning.فالخطاب لا يقدّم الأردن بوصفه دولة منفعلة ، بل بوصفها دولة واثقة تعرف موقعها، وتحافظ على ثوابتها، وتتمسك بالدبلوماسية والحوار والسلام، وفي الوقت نفسه تحمي مصالحها وأمنها ولكن دون أن تقبل تفسير هذا الالتزام على أنه ضعف. ولهذا، ربما تكون أكثر سمات الخطاب لفتاً للنظر هي:ضبط الانفعال: القوة هنا ليست صخباً والثقة ليست مبالغة، والحجة لا تقوم على الشعارات.
والخلاصة، فان البناء النفسي للخطاب جاء متسلسلا باحكام، اذ يبدأ من الانتباه والادراك، ثم يكسر الاعتياد، ثم يكشف التناقض، ثم يعيد تأطير الواقع وتسميته، ثم يستعيد المسؤولية الأخلاقية، ثم ينتقل إلى التحذير والردع، ثم ينتهي إلى تثبيت موقع الأردن ومصالحه. ويختتم جلالته خطابه برسالة عميقة فحواها “انتبهوا إلى ما يحدث للنظام الدولي نفسه حين يصبح الاستثناء مألوفاً، وحين تصبح عدم المساءلة امرا طبيعيا نتيجة الافلات من العقاب ، وانتبهوا لما يحدث حين تتحول الانتقائية إلى قاعدة، وحين يفقد القانون قدرته على تشكيل السلوك.”