33
بقلم ا.د. بسام الردايدة
حين يقف المتلقي أمام هذا العمل للفنان الأردني شادي غوانمة لا يجد نفسه أمام مشهد بصري جاهز أو حكاية مرسومة بصورة مباشرة، بل يدخل إلى فضاء مفتوح من التأويلات والانفعالات، حيث تتجاور الذاكرة مع الحلم، والفوضى مع النظام، والضوء مع الظلمة. إننا أمام لوحة تجريدية ناضجة لا تكتفي بإبهار العين، وإنما تستفز العقل والوجدان معًا.
تقوم البنية البصرية للعمل على صراع ديناميكي بين الكتل اللونية المتوهجة والمساحات الداكنة التي تحتل قلب اللوحة. فاللون هنا لا يؤدي وظيفة تزيينية، بل يتحول إلى لغة تعبيرية مستقلة. الأصفر المشرق والأخضر الحي والبرتقالي المتقد تتدافع في مواجهة الأسود والرماديات العميقة، وكأن الفنان يعيد صياغة جدلية الحياة ذاتها؛ حيث لا وجود للنور إلا في حضرة الظل، ولا معنى للأمل إلا بعد عبور مناطق القلق والغموض.
ويبدو واضحًا أن الغوانمة يوظف خبرته الطويلة في المزج بين الواقعية والتجريد، وهي سمة بارزة في تجربته الفنية التي تقوم على بناء فضاءات فكرية وبصرية متداخلة، مع اهتمام خاص بالجرأة وبالتكنيك والطبقات اللونية والرؤية الفكرية للعمل.
من الناحية التشكيلية، يحقق الفنان توازنًا دقيقًا بين العفوية والسيطرة. فبعض الضربات الجريئة تبدو وكأنها انفعالات لحظية حرة، بينما تكشف القراءة المتأنية عن تنظيم داخلي صارم يحكم حركة اللون وانفعالاته. الخطوط العفوية والآثار المادية للفرشاة وضربات السكين اللونية تمنح السطح طاقة حركية تجعل اللوحة نابضة بالحياة، وكأنها ما تزال في طور التشكل أمام أعيننا.
أما البعد الأكثر إثارة في العمل فهو قدرته على استحضار المشهد دون أن يرسمه. ففي مناطق عديدة من اللوحة تلوح إيحاءات بمناظر طبيعية أو انعكاسات مائية أو كتل شجرية بعيدة أو بيوت غارقة في الضباب، لكنها لا تكتمل أبدًا في صورة محددة. وهنا تكمن قوة التجريد الحقيقي؛ إذ يمنح المتلقي حرية أن يرى ذاته داخل اللوحة، لا أن يرى ما يفرضه الفنان عليه.
كما أن الكتل المركزية تشكل محورًا بصريًا يجذب العين باستمرار، بينما تعمل الألوان المحيطة على تفكيكه وإعادة بنائه.
هذه العلاقة بين المركز والأطراف تخلق توترًا بصريًا غنيًا يجعل المشاهد في حالة بحث دائم عن المعنى، وهو ما يميز الأعمال التي تمتلك عمقًا فكريًا يتجاوز حدود الجمال الشكلي.
وفي مستوى أعمق، يمكن قراءة العمل بوصفه استعارة بصرية للواقع الإنساني المعاصر؛ عالم تتشابك فيه الفوضى مع الإمكانات، والانهيارات مع البدايات الجديدة. فالألوان المضيئة لا تلغي الظلمة، بل تتولد منها، والظلمة بدورها لا تنتصر على الضوء، بل تمنحه حضوره وقيمته.
إن قيمة هذه اللوحة لا تكمن فقط في جرأتها اللونية أو ثرائها التقني، بل في قدرتها على خلق تجربة تأملية مفتوحة. إنها لوحة لا تُقرأ مرة واحدة، بل تكشف في كل مشاهدة طبقة جديدة من المعنى والإحساس. وهنا تتجلى خصوصية تجربة شادي الغوانمة التي تقوم على تحويل اللون إلى فكر، والتجريد إلى مساحة للحوار بين الفنان والمتلقي.
خلاصة القول, يقدم الفنان الغوانمه في هذا العمل نموذجًا متقدمًا للتجريد التعبيري المعاصر، حيث تتكامل الرؤية الفكرية مع المهارة التقنية والجرأة اللونية في بناء نص بصري مفتوح على احتمالات لا تنتهي. إنها لوحة تُشاهد بالعين أولًا، لكنها تستقر في الذاكرة بوصفها تجربة شعورية وفكرية عميقة، تؤكد أن الفن الحقيقي لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يفتح أبواب الأسئلة والجمال معًا.