بسام السلمان
كنت عائدا من مكتبي في وسط السوق، أسير على قدميّ مستمتعا ببعض الرياضة التي أحرص عليها كلما سنحت الفرصة. وعندما وصلت إلى جوار مدرسة الأمير حمزة المهنية في حارتنا، استوقفتني صدفة جميلة لن أنساها ما حييت.
رأيت طفلة لا يتجاوز عمرها عشر سنوات، تمشي بخطوات هادئة مطمئنة، وبين ذراعيها مصحف صغير من تلك المصاحف التي يستخدمها الحفّاظ. كانت تضمه إلى صدرها بحنان بالغ، وكأنها تحتضن طفلا صغيرا تخشى عليه من السقوط أو الضياع. لم يكن كتابا عاديا بالنسبة لها، بل كان قرآن ربها، ونور قلبها، ورفيق رحلتها في الحفظ والتعلّم.
وقفت أتأمل المشهد بإعجاب. كانت الطفلة تحمل المصحف كما تحمل الأم وليدها، بعينين تفيضان حبا وتقديرا لكلمات الله. علمت أنها تحفظ القرآن الكريم على يد شيخة فاضلة مجتهدة، تبذل جهدها في تعليم بنات المسلمين كتاب الله وغرس القيم النبيلة في نفوسهن.
هذه الطفلة الجميلة لم يزدها القرآن حفظا للآيات فحسب، بل زادها جمالا في الروح، ونقاء في القلب، وأدبا في السلوك. كان الوقار يسبق خطواتها، وكانت الطمأنينة ترتسم على ملامحها. شعرت أن ما تحفظه في صدرها من كلام الله بدأ ينعكس على شخصيتها وأخلاقها وتصرفاتها.
وأنا أنظر إليها، أيقنت أن هذه البذور الطيبة التي تُزرع اليوم في قلوب الصغيرات ستثمر غدا أمهات صالحات، ومربيات فاضلات، ونساء يحملن الخير لأنفسهن ولأسرهن ولمجتمعاتهن. فحفظ القرآن ليس كلمات تُردد فحسب، بل منهج حياة يصنع الإنسان ويهذب روحه ويقوّم سلوكه.
لقد منحتني تلك الطفلة درسا عظيما دون أن تنطق بكلمة واحدة. ذكّرتني بأن الخير ما زال حاضرا في بيوتنا وحيائنا، وأن هناك أجيالا تنشأ على محبة القرآن واحترامه والعمل به.
حفظ الله هذه الطفلة وأمثالها، وبارك في جهود معلمات القرآن الكريم، وجزى القائمين على حلقات التحفيظ خير الجزاء، فهم يغرسون في الأرض أجمل الغراس، ويصنعون للمستقبل قلوبا عامرة بالإيمان والنور.