الرمثا نت
نحمل داخلنا أوزاناً لا نفكر فيها، فالكبد وحده يزن نحو 1.4 إلى 1.6 كيلوغرام، والدماغ نحو 1.3 كيلوغرام، والرئتان معاً أكثر من كيلوغرام، والقلب بضع مئات من الغرامات، والكليتان معاً نحو 250 إلى 340 غراماً، أما الجلد، أكبر أعضاء الجسم، يشكل نحو 15% من وزن الإنسان، ومع ذلك، لا نستيقظ كل صباح ونحن نشعر بأننا نحمل كبداً أو دماغاً أو قلباً.
المفارقة أن وخزة صغيرة، من إبرة لا وزن لها تقريباً، تستطيع أن توقفنا فوراً، إبرة دقيقة على الجلد تُسمع داخل الدماغ أكثر من عضو كامل يعمل بصمت منذ ولادتنا.
السبب الأول بسيط: الأعضاء ليست أشياء موضوعة فوقنا، فنحن لا نحمل الكبد كما نحمل حقيبة، فالأعضاء عبارة عن جزء من بنية الجسد، موزعة داخل شبكة من عظام وعضلات وأغشية وسوائل، فلا توجد نقطة واحدة تتحمل وزن الرئتين أو القلب وحدها، وكلما توزع الحمل، قل الإحساس به.
كما أن الدماغ يتعامل مع الأعضاء باعتبارها “الوضع الطبيعي”، نحن ولدنا بها، وكبرنا وهي في مكانها، لذلك لا يرسل وجودها إنذاراً، يشبه الأمر كوننا لا نرى أنفنا طوال الوقت رغم أنه داخل مجال الرؤية، ولا نشعر بملابسنا بعد دقائق من ارتدائها، الدماغ بارع في حذف ما لا يحتاج إلى انتباه.
لكن الجلد مختلف، الجلد هو خط الدفاع الأول، ومليء بمستقبلات الألم والضغط والحرارة والبرودة، لذلك لا تحتاج الإبرة إلى أن تكون ثقيلة كي تؤلم، يكفي أن تخترق سطحاً مصمماً أصلاً كي يحذرنا من الخطر.
أما الأعضاء الداخلية فتتكلم بلغة أبطأ وأغموض، ألم الأعضاء لا يكون غالباً دقيق المكان مثل ألم الجلد، فقد يأتي من تمدد، أو ضغط، أو التهاب، أو نقص في السوائل، ثم يظهر في منطقة أخرى، ولهذا يشعر مريض القلب بألم في الذراع أو الفك أو الظهر، لا لأن الذراع هو المشكلة، بل لأن الدماغ يخلط أحياناً بين إشارات قادمة من الداخل وإشارات يعرفها من سطح الجسم.
ولو كان الدماغ يعرض علينا كل ما يحدث في الداخل، لما استطعنا الحياة بهدوء، فالقلب ينبض نحو 100 ألف مرة يومياً، والرئتان تتحركان آلاف المرات، والكبد يعالج، والكلى تنقي، والمعدة تتمدد، والأمعاء تتحرك، ولو وصل كل ذلك إلى وعينا بالصوت نفسه، لتحول الجسد إلى ضجيج لا ينتهي.
لذلك ليست نعمة الجسد في أنه يخبرنا بكل شيء، بل في أنه يعرف متى يصمت. فمعظم الوقت، يعمل الداخل كمدينة ليلية مكونة من مصانع، وطرق، وإشارات، وتنظيف، وإصلاح، وحركة مستمرة من دون أن يوقظ السكان في كل لحظة.