عاد اسم فيروس “هانتا” (Hantavirus) ليتصدر واجهة الرعب الصحي العالمي بعد المأساة التي شهدتها السفينة السياحية “إم في هونديوس”. ومع تسجيل وفيات وإصابات حرجة، برزت تساؤلات ملحة حول طبيعة هذا الفيروس الذي ظل لقرون حبيس الجحور، قبل أن يقرر الخروج لمواجهة البشر “وجهاً لوجه” عبر سلالة أنديزية غامضة.


1. ما هو فيروس هانتا؟

فيروس “هانتا” ليس وافداً جديداً؛ فهو ينتمي لعائلة قديمة من الفيروسات التي تتخذ من القوارض (الفئران والجرذان) مستودعاً طبيعياً لها. لقرون، ظل الفيروس ينتقل من القوارض إلى الإنسان دون أن يتسبب بجائحات كبرى، نظراً لصعوبة انتقاله بين البشر. لكنه ينقسم عالمياً إلى مدرستين من الفتك:

  • في الشرق (آسيا وأوروبا): يضرب الكلى ويسبب “الحمى النزفية”.

  • في الغرب (الأمريكتين): يهاجم الرئتين بشراسة فيما يعرف بـ “متلازمة هانتا الرئوية”.

2. “سلالة الأنديز”: الخرق الذي حيّر العلماء

تكمن خطورة التفشي الأخير في ظهور “سلالة الأنديز” (Andean Strain). ووفقاً للبروفيسور روبن ماي، كبير المسؤولين العلميين في وكالة الأمن الصحي البريطانية، فإن هذه السلالة هي “الوحيدة” التي تمتلك أدلة علمية على إمكانية الانتقال المباشر من إنسان لآخر. هذا التحول يعني أن الفيروس لم يعد بحاجة لمخلفات القوارض لينتشر، بل يمكنه القفز بين الركاب في البيئات المغلقة، وهو ما يفسر الاستنفار الدولي لتعقب مخالطي سفينة “هونديوس”.

3. الأعراض: “خديعة” الإنفلونزا القاتلة

يصف الأطباء “هانتا” بأنه “مخادع سريري”؛ ففي أيامه الأولى، لا يمكن تمييزه عن الزكام العادي. وتبدأ الأعراض بـ:

  • حمى وقشعريرة مفاجئة.

  • آلام حادة في العضلات (خاصة الظهر والفخذين).

  • صداع وإرهاق. المنعطف الخطر: بعد مرور أسبوع إلى ثمانية أسابيع (فترة الحضانة)، يتطور المرض فجأة إلى ضيق تنفس حاد نتيجة امتلاء الرئتين بالسوائل، وهنا تبدأ نسبة الوفاة بالارتفاع لتصل إلى 40%.

4. جغرافيا الرعب: من “فور كورنرز” إلى “أوشوايا”

تاريخياً، ارتبط الفيروس بمناطق ريفية في الولايات المتحدة (نيو مكسيكو وأريزونا)، واكتسب شهرة حزينة عام 2025 بعد وفاة بيتسي أراكاوا، زوجة الممثل جين هاكمان. أما التفشي الحالي، فيشير المحققون إلى أن “المريض صفر” قد يكون التقط العدوى خلال رحلة لمراقبة الطيور قرب موقع لنفايات القوارض في مدينة أوشوايا الأرجنتينية، مما نقل الفيروس من أقصى جنوب الأرض إلى أعالي البحار.

5. سبل النجاة: بروتوكول الوقاية الصارم

في ظل عدم وجود لقاح تجاري أو علاج مضاد للفيروس حتى الآن، تظل الوقاية هي “خط الدفاع الوحيد”. ويوصي الخبراء بـ:

  • تجنب “الغبار القاتل”: الفيروس ينتقل باستنشاق الجزيئات المتطايرة من فضلات القوارض.

  • حظر المكنسة الكهربائية: يُحذر بشدة من استخدام المكانس في أماكن موبوءة لأنها ترفع الفيروس في الهواء؛ البديل هو الترطيب بمحلول “مبيض” (Bleach).

  • العزل الطويل: نظراً لقوة صمود الفيروس، قد يتطلب العزل الصحي للمخالطين مدة تصل إلى 45 يوماً لضمان عدم ظهور أعراض متأخرة.

وبينما يواصل العلماء في جامعة باث وأكسفورد سباقهم لتطوير لقاحات “عابرة للحرارة”، يظل الوعي بطرق الانتقال هو السلاح الأمضى لمحاصرة “سلالة الأنديز” ومنعها من التحول إلى تهديد وبائي مستدام.

ايلاف