بسام السلمان
كان لدي بنطلون جينز أزرق يشبه لون البحر، أحببته كثيرا وفضلته على جميع ملابسي المعدودة على أصابع اليد، خَدَمني سنوات طويلة، فكنت أرتديه في الصيف والشتاء، وفي الحر والبرد، وأذهب به إلى عملي، وأؤدي صلاتي في المسجد وأنا أرتديه، ولم أكن أستثنيه إلا في المناسبات الرسمية جدا.
خلال زيارتي لأحد الأقارب، كان المنزل يشهد أعمال دهان وصيانة، وفجأة أصابت بنطلوني قذيفة من الدهان، تاركة خلفها بقعا متناثرة بدت واضحة للعيان.
ولأنني كنت متعلقا به، رفضت فكرة الاستغناء عنه، وبدأت رحلة البحث عن حل، استخدمت مختلف أنواع المنظفات، وجربت كل ما وقعت عليه يدي، لكن البقع الصغيرة بقيت صامدة وكأنها تعلن انتصارها علي.
وفي لحظة يأس، ظهر أحد الأصدقاء، وهو خبير في تقديم النصائح غير المطلوبة، واقترح علي استخدام الكلور لإزالة البقع، ولأن الغشيم يجد دائما من هو أغشم منه، سارعت إلى تنفيذ النصيحة دون تردد.
وهنا وقعت الكارثة!
اختفت ألوان البنطلون في أماكن البقع، وتحولت إلى اللون الأبيض، لتصبح الفضيحة أكبر من بقع الدهان نفسها، حتى خبير المنظفات لم يستطع إنقاذ الموقف، وقال لي ساخرا” يا رجل، لو جئتني من البداية لأزلنا آثار العدوان كلها، وما وصلنا إلى فضيحة الكلور!”
اليوم، وأنا أنظر إلى بنطلوني العزيز، أدرك أن المشكلة لم تكن في نقطة الدهان، بل في النصيحة التي جاءت في الوقت الخطأ، ومن الشخص الذي كان يعرف تماما ماذا سيفعل الكلور.
شكرا أيها البنطلون الجميل، لقد خدمتني طويلا، وأعتذر منك لأنني صدقت نصيحة صديق لم يكن غشيما كما كنت أظن، بل كان يعرف جيدا كيف يحرقك ويتلفك.
وهكذا تعلمت درسا جديدا، ليست كل بقعة تستحق أن نخوض من أجلها حربا، وليست كل نصيحة صادقة، فبعض النصائح لا تُزيل البقع، بل تترك آثارا لا تمحوها كل منظفات الدنيا.