الدكتور فايز السعودي
في الدول التي تسعى إلى بناء مؤسسات قوية وراسخة، لا ينبغي أن يكون معيار الحكم على المسؤول كثرة حضوره في الميدان، أو عدد اجتماعاته وزياراته وقراراته، بل ما أنجزه، وما أحدثه من أثر حقيقي ومستدام في المؤسسة والقطاع وحياة الناس.
فالميدان وسيلة، والاجتماع وسيلة، وكثرة النشاط ليست إنجازًا بحد ذاتها. والسؤال الأهم هو: ماذا تحسن؟ ما المشكلة التي حُلّت؟ ما الخدمة التي تطورت؟ وما النتائج التي يمكن قياسها والتحقق منها؟
ومن هنا، فإن الإصلاح الإداري يبدأ من حسن اختيار المسؤول. فالموقع العام تكليف وليس مكافأة، وينبغي أن يكون الاختيار على أساس الجدارة والكفاءة والنزاهة وسجل الإنجاز، لا على أساس العلاقات أو الانطباعات.
ومن أفضل مصادر القيادات أبناء المؤسسة نفسها، ممن خدموا فيها وتدرجوا في مواقعها وأثبتوا جدارتهم وقدرتهم على تحقيق النتائج، مع إبقاء المجال مفتوحًا أمام الكفاءات القادمة من الجامعات والقطاع الخاص والمؤسسات الوطنية، متى امتلكت التخصص والخبرة والتجربة الناجحة.
وعند اختيار المسؤول، ينبغي النظر إلى ثلاثة أبعاد متكاملة: ما يمتلكه من مهارات قيادية وتخصصية، وما يتحلى به من قيم وممارسات مهنية، وما لديه من معرفة رقمية ومعلوماتية وقدرة على قراءة البيانات وفهم المستقبل.
ثم يأتي دور «ملف الإنجاز والالتزام»؛ بحيث يبدأ المسؤول مهمته بأهداف واضحة، وخطة وبرنامج زمني، ومؤشرات أداء ومخرجات قابلة للقياس، ليصبح تقويمه قائمًا على النتائج والأثر، لا على الانطباعات وكثرة النشاط.
كما يجب أن يصبح الاستلام والتسليم المؤسسي جزءًا أساسيًا من العمل الإداري، بحيث يتسلم المسؤول الجديد ملفًا متكاملًا يوضح واقع المؤسسة، وما تحقق وما تعثر، والمشروعات والخطط والالتزامات والتحديات. فلا يبدأ من الصفر، ولا تضيع الذاكرة المؤسسية بخروج المسؤول.
أما التقويم والمساءلة، فينبغي أن يكونا مستمرين ودوريين، لا أن ينتظرا نهاية مدة المسؤول أو وقوع أزمة. وإذا تعثر الإنجاز، يكون السؤال أولًا عن الأسباب: هل هي في التخطيط؟ أم الموارد؟ أم التشريعات؟ أم الإدارة؟ أم التنفيذ؟ فالمساءلة ينبغي أن تكون أداة للتصحيح والتحسين قبل أن تكون أداة للعقاب.
كما أن للمجتمع والإعلام دورًا مهمًا في التقويم، لكن المطلوب أن ننتقل من سؤال: «ماذا فعل لنا؟» إلى «ماذا فعل للوطن وللمؤسسة وللمصلحة العامة؟»؛ فليس كل من يمدح مسؤولًا موضوعيًا، وليس كل من ينتقده متحاملًا.
المسؤول الناجح ليس بالضرورة الأكثر ظهورًا أو حركة أو حديثًا، وإنما هو الذي يترك وراءه مؤسسة أقوى، وخدمات أفضل، وكفاءة أعلى، وأنظمة أكثر استدامة، وموظفين أكثر قدرة، ومواطنًا أكثر رضًا وثقة.
لقد آن الأوان أن ننتقل من ثقافة «قالوا عنه» إلى «ثبت عنه»، ومن تقييم المسؤولين بالانطباعات إلى تقييمهم بالأدلة، ومن ثقافة «رجل الميدان» إلى ثقافة «رجل الإنجاز».
فالإصلاح الإداري الحقيقي يقوم على منظومة متكاملة: اختيار قائم على الجدارة، وتكليف قائم على أهداف واضحة، وتنفيذ قائم على خطط، وتقويم قائم على الأدلة، ومساءلة قائمة على النتائج، وتسليم واستلام يحفظ الذاكرة المؤسسية.
وعندما يصبح الإنجاز الموثق هو معيار اختيار المسؤول وتقويمه ومساءلته، نكون قد بدأنا بالفعل في بناء إدارة أكثر كفاءة، ومؤسسات أكثر استقرارًا، ودولة تتراكم خبراتها وإنجازاتها جيلًا بعد جيل.