كتب عمر خويله
للولوج إلى بورصـة العلاقات الإنسانية الناجحه لم تعد بحاجة إلى شهادة دكتوراه في إدارة الأعمال أو كاريزما ساحرة لتكسب ثقة الناس، بل يكفيك أحيانا مقص لتقصير الثوب، ومشط لتهذيب اللحية ، مع مسحة خفيفة من عطر السواك، أو حتى لسانا ذاكرا امام الجماهير، لتفتح لك مغاليق القلوب، وتتحول فجأة من شخص عادي إلى مولانا المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
لقد تحول المظهر الديني عند طائفة من النفعيين إلى ما يشبه البطاقة الائتمانية الذهبية؛ تسحب بها من رصيد عواطف البسطاء، وتشتري بها ولاءاتهم، وتمرر من خلالها مصالحك الشخصية، وكل ذلك تحت شعار: قال الله وقال الرسول.
من المثير للسخرية أن يعتقد البعض أن الدين أمتار من قماش؛ فكلما نقصت سنتيمترات من ثوبه، زادت درجاته في الجنة، وكلما طالت لحيته، امتلك الحق في تصنيف البشر بين مؤمن وفاسق.
تجدهم في الأسواق والمجالس، وبين اقرب الناس إليك، يوزعون الابتسامات الإيمانية والعبارات المنمقة مثل بارك الله فيك وأحسن الله إليك، وسرعان ما ( ينقزون) إلى الإمامة والخطابه والإفتاء لكن ما إن تصطدم معهم بمصلحة دنيوية، أو شراكة مالية، حتى تتكشف لك الانياب ويظهر خلف الثوب القصير جشع طال حتى أطراف الثوب الذي قصروه.
التاريخ مليء بهذه النماذج من تجار الدين وقد كان يطلق عليهم القصاص أو القراء المداهنون. ومنهم من كانوا يطيلون سجودهم ويبكون في المحاريب أمام العامة ليقال ما أعبدهم!، حتى إذا خلوا إلى سلاطين بني أمية أو بني العباس، صاغوا لهم الفتاوى المعلبة بمقاس العروش، وقبضوا الثمن دنانير ذهبية.
وقد سئل الإمام مالك بن أنس عن الرجل يتعلم العلم ليصيب به شرفا أو مالا، فقال: ذاك أكل الدنيا بالدين، وهو شرار الخلق. ونقل التاريخ لنا قصصا عن رجال كانوا يلبسون الصوف الخشن إظهارا للزهد، فكان التابعي الجليل أيوب السختياني يقول: كانوا يلبسون الصوف ليعرفوا به، وإنما يتبين الزهد في القلوب.
القرآن الكريم لم يترك هؤلاء يختبئون خلف أقنعتهم، بل فضحهم فقال تعالى:
وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة [المنافقون: 4]
المنظر مبهر، والحديث منمق يأسر القلوب، لكن الحقيقة الداخلية مجرد خشب أجوف لا روح فيه ولا صدق.
وقال تعالى :
ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل [البقرة: 204-205]
أما في السنة النبوية، فقد كان التحذير مغلظا ومرعبا لكل من جعل الدين مطية للدنيا فقال صلى الله عليه وسلم :
يخرج في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب (رواه الترمذي).
جلود ضأن (مظهر ديني ودعوى صلاح ولين)، ولكن القلوب ذئاب كاسرة تنتظر الفرصة للانقضاض على مصالح الناس.
اللحية الكثة والثوب القصير هما من سنن الإسلام التي نجلها ونحترم من يطبقها تعبدا لله وصيانة لنفسه، لكن الكارثة تكمن فيمن يحول هذه السنن إلى معدات عمل ورأس مال للمتاجرة وهم كثر.
لقد علمنا عمر بن الخطاب فقه التعامل مع هذه الفئة الضاله حين رأى رجلا يطأطئ رقبة في الصلاة تظاهرا بالخشوع، فضربه بدرته ( عصاه) وقال: يا هذا، ارفع رأسك، فإن الخشوع في القلب ليس في الرقاب. وفي موضع آخر قال: لا تنظروا إلى صلاة أحد ولا إلى صيامه، ولكن انظروا إلى من إذا حدث صدق، وإذا اؤتمن أدى، وإذا أشفى (أشرف على الدنيا) ورع.
