لا شك بان السردية الاردنية جزء مهم من التاريخ الاردني السياسي والثقافي والاجتماعي يتوجب تطويره بشكل دائم ومتواصل مع المحافظة على المحتوى الاساسي للرواية الاردنية.
استميح القارىء عذرا بعدم الخوض في التفاصيل عند الحديث عن سرديتنا الجميلة فليست السردية رواية قصصية او احاديث المساء بل تجربة بقاء أثبتها التاريخ القديم والمعاصر، حيث اني ارى بان السردية الاردنية هي عبارة عن معادلة متعددة المتغيرات ولكن نتيجتها دائما ثابتة. فعناصر المعادلة كثيرة منها السياسي والجغرافيا والتاريخ وغيرها الكثير وكلها تؤثر في هذه السردية. ولكن مهما صعبت المعادلة ومهما تعقدت او اختلفت المتغيرات الا ان النتيجة تبقى دائما واحدة وهي استمرارية الوجود الاردني الذي يشكل الثابت الدائم والوحيد في هذه المعادلة.
ان ثبات الوجود الأردني واستمراريته كدولة وشعب ونظام هو جوهر السردية الاردنية واساسها المتين الذي عجزت امامه كل السرديات المضادة والمشككة. وبالرغم من كل الهجمات الفكرية والفلسفية والعقائدية التي تعرض لها الاردن ، ناهيك عن الاعتداءات العسكرية ، والمؤامرات والضغوط السياسية والاقتصادية التي مورست ضده . فمن مقولة الكيان المصطنع والتي لا يزال يرددها الدكتور عبدالله النفيسي ، ومن كذبة الوطن البديل التي يطلقها الاسرائليون بين الحين والاخر وصولا الى الهجمات الارهابية التي تعرض لها الاردن ، الا ان الصمود الاردني والانجازات التي تحققت تبقى هي المثال الحي على مصداقية السردية الاردنية دون الحاجة الى التفاصيل المملة والحواديث والرويات والقصص التي يتمسك بها الناس باعتبارها اساس السردية.
ان استمرار الوجود والثبات الاردني كدولة هى اللبنة الاساسية التي يجب ان تبنى عليها سرديتنا. فالاردن بلد اصيل وقديم يمتد الى عمق الحضارات القديمة والشواهد على ذلك كثيرة من شماله في جرش الى جنوبه في البتراء ومن شرقه الى غربه ، والقبائل التي سكنت الاردن لا تزال اصولها وفروعها موجودة في كل بواديه ومدنه ، والموروث السياسي الاردني قد تطور وواكب الامبرطوريات القديمة والنظم السياسية التي سادت على مر الازمنة.
ان الاردن وجد ليبقى وهذه الاستمرارية هي الرد الاول لسرديتنا على مقولة ان الاردن هو كيان مصطنع تم خلقه ليؤدي دورا معينا. ولا يجب التنكر إلى ان الاردن الحديث وجد عام ١٩٢١ نتيجة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الاولى ولكن هذا لا ينفي أصالته ولا يلغي تاريخه.
فكم من دول قد تلاشت ، وكم من شعوب ذابت قومياتها ، وكم من انظمة اندثرت وبقي الاردن صامدا كدولة وكشعب وكنظام وهذا بحد ذاته هو جوهر المصداقية العالية لفحوى الموروث السياسي والرد الشافي على اي سردية اخرى تتعرض للرواية السياسية الاردنية.
وفي سرديتنا ايضا يبرز دور الشعب الاردني الذي شهد تطورا من حالة القبلية الى حالة الامة الاردنية. فقد واكب الشعب الاردني تطور السردية عبر التمسك بموروثه العقائدي والديني والاجتماعي. وشكل الشعب الأردني وعاءاً سياسيا واجتماعياً انصهرت وذابت فيه الاختلافات بين شتى فئاته القومية والدينية وظل يستقبل كل لاجئ وملهوف لا همه عسر الحال ولا قلة الموارد بل تقاسمها مع كل من أتاه مسيرا او مخيرا. وغدت المواطنة هي عنوان السردية واغلى ما يملكه الأردني بغض النظر عن عرقه ودينه او أصله وفصله. وشكلت هذه المواطنة التي قد لا تعجب البعض تحالفا مدنيا اصبغت على الأردن الصبغة المدنية وكانت الرافعة السياسية لدعم النظام بعيدا عن الانقلابات والدبابات.
وانتقلت معظم الطبقة المعارضة من حالة التباهي بالغير واعتناق الأفكار النابعة من الخارج إلى حالة التركيز على الشأن الأردني الداخلي عبر الإيمان بأهمية بقاء الأردن مستقرا وآمنا من كل التدخلات الخارجية. وأثبت الشعب الأردني ان تضحياته من اجل أمته العربية وقضاياها المصيرية لا تتعارض مع أمنه واستقراره.
لقد ساهم الشعب الأردني بكافة مكوناته في تثبيت السردية عبر التضحيات التي قدمها . وتجاوز المحن والصعاب التي مر بها لخلق سردية جادة ورصينة يفتخر بها بين الأمم. و من اهم ملامح هذه السردية هي القدرة على التطور والتكيف مع المتغيرات والتغلب على شح الموارد والإمكانيات لخلق مجتمع مدني متطور ومنفتح على العالم يؤمن في بلده ومؤتمن على مستقبله.
كذلك كان لنظام الحكم في الأردن الأثر الأكبر في المحافظة على البقاء والديمومة نتيجة للسياسات الحصيفة التي اتبعها سواء على المستوى الداخلي او الخارجي. فقد ظل النظام قريبا إلى شعبه متلمسا لحاجياته وملبيا لطموحاته السياسية والحياتية منتهجا سياسة التأني والتروي وعدم الانجرار وراء النزوات والشطحات والأوهام السياسية سواءا داخليا او خارجيا. وكانت الواقعية هي السمة الغالبة في قراراته وسياساته مما جنب الأردن بلدا وشعبا كثيرا من المؤامرات التي كانت تستهدف العمق والصميم الأردني كدولة وكشعب. وقاد النظام التغيرات الكبيرة التي انتقلت بالأردن وعبر حقائب تاريخية كثيرة من منعطفات الهاوية إلى واحات الاستقرار في هذا المحيط البركاني. واستطاع النظام ان يجنب شعبه وبلده ونفسه ظروفا كادت تعصف به لولا الواقعية التي كانت هي السمة الرئيسية لديه منذ قيام الدولة بحيث غدا المساهم الاول في البقاء والاستمرارية والصمود الأردني.
لم تكن مراحل سرديتنا كلها وردية او ذات فصول جميلة دائمة بل شابتها بعض التحديات والعثرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية . ولكنها أثبتت قدرتها على الاستيعاب والتعلم من الأخطاء وتفاديها وتصحيح بعض المسارات وتجنب الانهيار. وإذا ما قورنت بغيرها فالسردية الأردنية تمتاز بوجود الحقائق على الارض وليس في مخيلات ساردها.
ان دوام البقاء هو اساس السردية الاردنية ، وان الشعب الأردني هو جوهرها ، وان نظام الحكم هو حارسها. وتستحق السردية الأردنية ان تبنى على التضحيات والبطولات التي قام بها الأردن. وتستحق منا أيضا ان نبنيها على أسس واضحة ومرتكزات يصعب على المشككين النيل منها . ان سرديتنا ليست قصص اجتماعية ولا أكلات شعبية ، ولاهي حكايات متوارثة او أغاني قديمة ، وهي بلا شك قد تجاوزت كيفية عمل المنسف او اللزاقيات ، فهي سردية نضالية مر بها الأردن والشعب الأردني أدت إلى نتائج سياسية واضحة تمثلت في القدرة على البقاء والصمود رغم الافتقاد إلى كثير من مقومات الاستمرارية. ان جوهر السردية الأردنية ليس في حكايات تروى او مقالات تكتب بل اساسها التكيف والبقاء والمواصلة.