40
بقلم: سلام الزعبي
باحثة في التاريخ وطالبة دكتوراه في جامعة اليرموك
ليست الرمثا مدينةً وُضعت مصادفةً عند طرف الخريطة الأردنية، بل هي مدينة تشكلت شخصيتها عبر قرون من الحركة والعبور والاتصال. فموقعها بين شمال الأردن وجنوب سورية جعلها جزءًا من المجال الجغرافي والاجتماعي لحوران، كما وضعها على الطرق التي ربطت دمشق بالمدن الواقعة جنوبًا. ولهذا، فإن فهم الرمثا لا يبدأ من كونها مدينة حدودية فحسب، بل من كونها مدينة طريق قبل ظهور الحدود السياسية الحديثة.
تظهر الرمثا في المصادر التاريخية ضمن البيئة الحورانية التي لم تكن تفصل بين قراها ومدنها الحدود المعروفة اليوم. فقد جمعت المنطقةَ طبيعةٌ جغرافية متقاربة، ونشاط زراعي، وعلاقات اجتماعية وتجارية امتدت بين شمال الأردن وجنوب سورية. وكانت حركة الناس والسلع جزءًا طبيعيًا من حياة السكان، وليست نشاطًا استثنائيًا تفرضه الظروف.
وتشير سجلات الضرائب العثمانية لسنة 1596م إلى وجود الرمثا ضمن ناحية البثنية التابعة لقضاء حوران، وذكرت أن سكانها كانوا يعملون في إنتاج القمح والشعير والمحاصيل الصيفية وتربية الماعز وخلايا النحل. وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من أنها تُظهر الرمثا بوصفها تجمعًا سكانيًا واقتصاديًا مرتبطًا بالبيئة الزراعية لحوران منذ القرن السادس عشر، لا مجرد محطة نشأت بعد قيام الحدود الحديثة.
الرمثا على طريق الحج الشامي
كان طريق الحج الشامي واحدًا من المسارات الكبرى التي ربطت دمشق بالحجاز، ولم تكن وظيفته دينية فقط؛ إذ تحركت عبره القوافل والأخبار والتجارة وأشكال التواصل بين المجتمعات الواقعة على امتداده.
وترد الرمثا في عدد من كتب الرحلات المرتبطة بهذا الطريق. فقد ذكرها الرحالة مصطفى البكري الصديقي في رحلته سنة 1122هـ/1710م، مشيرًا إلى مرور الركب بقرية الرمثا، كما وردت في رحلة عبد الله السويدي البغدادي إلى الحج سنة 1157هـ/1744م. وتكشف هذه الإشارات أن اسم الرمثا كان حاضرًا في ذاكرة الطريق، وأن موقعها دخل في وصف الرحالة للمسافة بين دمشق والمناطق الواقعة جنوبها.
ولم يكن المرور بالمدينة يعني دائمًا الاستقرار فيها؛ فالرحالة كانوا يصفون الطريق بحسب توافر الماء والعمران والأمن والقدرة على التزود بالمؤن. لكن تكرار ذكر الرمثا في وصف الطريق يمنحها موقعًا في تاريخ الحركة بين بلاد الشام والحجاز.
حين أصبح الطريق حدودًا
مع قيام إمارة شرق الأردن وتكوّن الدول الحديثة في المنطقة، تحولت المساحات التي اعتاد الناس الحركة عبرها إلى حدود سياسية وإدارية. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد موقع الرمثا مجرد موقع على طريق مفتوح، بل أصبح نقطة اتصال بين دولتين.
غير أن ترسيم الحدود لم يُنهِ العلاقات الاجتماعية التي تشكلت قبلها. فقد بقيت الرمثا ودرعا متقاربتين في اللهجة والعادات والامتداد العائلي، كما استمرت حركة التجارة والعمل والتنقل بينهما ضمن الأنظمة الجديدة. وهكذا اكتسبت الرمثا وضعًا مزدوجًا: مدينة أردنية ذات انتماء وطني واضح، وفي الوقت نفسه مدينة تحمل في ذاكرتها الاجتماعية أثر المجال الحوراني الأوسع.
وقد انعكس ذلك في مهن أهلها وحياتهم اليومية؛ إذ ارتبط جانب من النشاط الاقتصادي بالنقل والتجارة وحركة المسافرين والبضائع. فلم تكن الحدود بالنسبة إلى الرمثا خطًا للفصل فقط، بل موردًا للعمل ومجالًا للتفاعل ومعبرًا نحو سورية ولبنان وما وراءهما.
اقتصاد يتأثر بحركة المعبر
علّمت الجغرافيا أهل الرمثا أن أحوال مدينتهم لا تنفصل تمامًا عما يجري شمال الحدود. فعندما تنشط حركة العبور، تتحرك معها قطاعات النقل والتجارة والأسواق والخدمات. وعندما يتوقف المعبر، يظهر أثر ذلك سريعًا في حياة الناس.
وقد كشفت الحرب السورية، منذ عام 2011، عمق هذه العلاقة. فلم تكن آثارها على الرمثا أمنية وإنسانية فقط، بل اقتصادية واجتماعية أيضًا. وتضررت المهن التي ارتبطت بحركة الشاحنات والمسافرين والتبادل التجاري، كما استقبلت المدينة أعدادًا من السوريين بحكم قربها المباشر من محافظة درعا.
لكن اختزال اقتصاد الرمثا في «تجارة الحدود» وحدها يظلم تاريخ المدينة وأهلها؛ فالرمثا عرفت الزراعة والتعليم والعمل العام والصناعة والرياضة، وخرج منها أكاديميون ومثقفون وشخصيات سياسية واجتماعية. غير أن الحدود بقيت عاملًا لا يمكن تجاهله عند تفسير نمو المدينة وأزماتها وتحولاتها.
الجغرافيا التي صنعت طبع المدينة
قد يساعد الموقع الحدودي أيضًا في فهم بعض السمات الاجتماعية التي ارتبطت بالرمثا؛ فمدينة العبور تعيش على استقبال القادم وتوديع المسافر، وتتعامل باستمرار مع الأخبار والتحولات والوجوه المختلفة. وهذا يمنح أهلها سرعة في التفاعل مع الأحداث، واتساعًا في شبكات العلاقات، وقدرة على التكيف مع تغير الظروف.
كما أن القرب من الحدود يخلق شعورًا دائمًا بأن الحدث الإقليمي ليس بعيدًا. فما يجري في درعا أو دمشق قد ينعكس على الأسواق وحركة الناس والحياة اليومية في الرمثا بصورة أسرع من انعكاسه على مدن أخرى.
ومع ذلك، لا ينبغي تفسير شخصية المدينة بالجغرافيا وحدها؛ فالإنسان هو الذي يحوّل الموقع إلى فرصة أو يواجه ما يفرضه من أزمات. وقد صنع أهل الرمثا مدينتهم من خلال العمل البلدي والتجاري والتعليمي والاجتماعي، وحافظوا على تماسكها في مراحل التحول المختلفة.
إن الفرق كبير بين القول إن الرمثا «تقع على الحدود» والقول إن الحدود أسهمت في تشكيلها. فالجملة الأولى تحدد موقعًا على الخريطة، أما الثانية فتفتح بابًا لفهم تاريخ طويل من الحركة والتجارة والقرابة والتكيف.
لقد كانت الرمثا مدينة طريق قبل أن تصبح مدينة حدود. وعندما تغيرت الخرائط، لم تفقد شخصيتها، بل أعادت صياغتها ضمن الدولة الأردنية الحديثة. وظل الطريق حاضرًا في ذاكرتها، وظلت الحدود جزءًا من اقتصادها وهمومها ونظرتها إلى العالم.
لهذا، لا تُقرأ الرمثا من آخر الخريطة، بل من موقعها في قلب الطريق؛ فهي لم تكن هامشًا بين مكانين، وإنما نقطة التقاء صنعت من الجغرافيا تاريخًا، ومن العبور هويةً لا تزال ملامحها ظاهرة حتى اليوم.
طريق الحج في الرمثا نحو عام 1900م – المصدر: موقع التاريخ الأردني.