الرمثا نت
بينما تبشرنا شركات التكنولوجيا الكبرى بأن الذكاء الاصطناعي يُحدث ثورة اقتصادية غير مسبوقة، تقف لغة الأرقام الرسمية حائرة أمام نموٍ صاروخي بنسبة 2600% لا تجد له مكاناً في سجلات الناتج المحلي الإجمالي؛ فهل نحن أمام طفرة حقيقية تُعيد تشكيل العالم، أم أننا نعيش “خداعاً إحصائياً” يجعل المليارات تضيع في ثقوب بياناتنا القديمة؟
هناك خلاف حاد حول كيفية قياس التأثير الاقتصادي للذكاء الاصطناعي، حيث لا يوجد اتفاق على نقطة البداية، فبينما تدعي شركات التكنولوجيا الكبرى أن الذكاء الاصطناعي يعيد صياغة كل شيء، من أساليب العمل إلى هيكلة الشركات وصناعات بأكملها كالهندسة البرمجية، تظهر الإحصاءات الاقتصادية الرسمية -مثل إنتاجية العمالة ونمو الناتج المحلي الإجمالي- أرقاماً لا تدعم هذه المزاعم.
ويرى البعض أن التكنولوجيا تحول الاقتصاد بطرق تتجاوز قدرة إحصاءاتنا على المتابعة، بينما يرى آخرون أن الذكاء الاصطناعي لم يثبت بعد أثراً ملموساً على إنتاجية الشركات.
يحاول تقرير حديث من معهد “بيترسون” للاقتصاد الدولي تفسير هذه الفجوة؛ حيث يجادل التقرير، الذي أعده أنطون كورينك (زميل أبحاث غير مقيم في معهد بيترسون ورئيس دراسات اقتصاديات الذكاء الاصطناعي التحولي في معهد أنثروبيك) وباتريك ماكيلفي (كبير علماء البيانات في بنك كندا)، بأن الذكاء الاصطناعي ينمو بسرعة فائقة، لكن الإحصاءات الرسمية ببساطة غير مهيأة لتتبعه.
ويشير التقرير إلى مشكلتين رئيسيتين: الأولى أن نشاط الذكاء الاصطناعي مشتت عبر عشرات الصناعات المختلفة في الحسابات الرسمية -مثل الحوسبة السحابية، والبرمجيات، ومعالجة البيانات- فلا يوجد مكان واحد يمكن فيه رؤية اقتصاد الذكاء الاصطناعي ككل، والثانية أن الإحصاءات لا تملك طريقة جيدة لحساب سرعة تحسن أداء الذكاء الاصطناعي.
250 مليار دولار
قدر المؤلفون أن الذكاء الاصطناعي قد ولد نشاطاً اقتصادياً يقدر بحوالي 250 مليار دولار في عام 2025، وهو حجم يقارب صناعة الطيران الأمريكية بأكملها. كما قدروا أن مخرجات صناعة الذكاء الاصطناعي تنمو بنسبة 2600% سنوياً.
وبالإضافة إلى ذلك، حسب المؤلفون أن تكلفة الحصول على نفس مستوى أداء الذكاء الاصطناعي قد انخفضت بنحو 94% سنوياً، مما يعني أن كل دولار يُنفق على الذكاء الاصطناعي اليوم يشتري أداءً يفوق بكثير ما كان يشتريه قبل عام.
وللوصول إلى هذه الأرقام، قام الباحثون ببناء تقديراتهم الخاصة من الصفر باستخدام بيانات حول معدلات تأجير وحدات معالجة الرسومات (GPU)، واستهلاك الكهرباء، وأسعار استدلال الذكاء الاصطناعي، ووتيرة التقدم الخوارزمي في تدريب الذكاء الاصطناعي، بدلاً من الاعتماد على الإحصاءات الرسمية.
كما حسبوا أنه لو كانت الإحصاءات الرسمية تأخذ في الاعتبار التحسن السريع في قدرات الذكاء الاصطناعي، لظهر نمو الاقتصاد الأمريكي في عام 2025 أعلى بنحو 4 نقاط مئوية (مع تحذير المؤلفين بأن هذا التقدير يمثل الحد الأقصى المعقول للتأثير وليس تقديرهم المركزي).
يقترح المؤلفون حلاً يتمثل في تخصيص مسار إحصائي مستقل للذكاء الاصطناعي -تماماً كما تفعل الحكومات بشكل منفصل لحساب الطاقة أو التجارة الدولية- بحيث يجمع نشاط الذكاء الاصطناعي عبر الصناعات ويعدل النتائج وفقاً لسرعة تحسن التكنولوجيا.
ويجادلون بأنه يجب بناء هذا المسار الآن، وإلا فإن فجوة البيانات تخاطر بأن تصبح فجوة في السياسات، مما يعني أن الحكومات قد تجد نفسها تتخذ قرارات بشأن الضرائب، وأسواق العمل، والإنفاق العام دون القدرة على رؤية ما يفعله اقتصاد الذكاء الاصطناعي فعلياً؛ أو كما عبروا عن ذلك: “ما لا يمكن قياسه لا يمكن توجيهه”.
عنق زجاجة
ومع ذلك، لا يتفق الجميع مع هذه الطروحات؛ حيث صرحت ديان كويل، أستاذة السياسة العامة في جامعة كامبريدج، بأنها تتفق على وجود فجوة في القياس، لكنها تختلف مع حجم الادعاءات التي يطرحها كورينك وماكيلفي. ومن اعتراضاتها أن الذكاء الاصطناعي يُستخدم غالباً للمساعدة في إنشاء منتجات وخدمات أخرى بدلاً من كونه منتجاً بحد ذاته، حيث يقيس الناتج المحلي الإجمالي السلع والخدمات النهائية التي تصل للمستهلكين، وبالتالي فإن تأثير الذكاء الاصطناعي الاقتصادي لا يهم إلا إذا جعل المنتج النهائي أفضل فعلياً. ووفقاً لكويل، لا تزال هناك أدلة منهجية قليلة على أن الذكاء الاصطناعي يزيد الإنتاجية على مستوى الشركات، وحتى في الحالات التي يعمل فيها العمال الأفراد بشكل أسرع، فإن ذلك لا ينتقل دائماً إلى المنظمة ككل؛ فإذا تسارع قسم ما بينما لم يتبنَّ القسم التالي الذكاء الاصطناعي، فإن المكاسب تصطدم بعنق زجاجة وتتلاشى.
اختتمت كويل قائلة: “أعتقد أن الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا مهمة، وسيكون لها هذه التأثيرات العظيمة، لكنني أعتقد أن كلاً من السرعة والحجم اللذين يدعيهما هذا التقرير مبالغ فيهما”. في جوهر الأمر، يتمحور السؤال حول مدى تحويل الذكاء الاصطناعي لطريقة عملنا، وما إذا كانت الأدوات التي نمتلكها للإجابة على هذا السؤال مناسبة للغرض؛ فكما عبرت كويل، لا يكمن التحدي فقط في أننا نقيس بشكل سيء، بل في أننا لم نتفق حتى على ما يجب أن نقيسه.