بسام السلمان
كلما دخلت الى المسجد العمري لاداء صلاة رأيت صورة رجل سجلس في الصف الاول وبجانبه طفلا يبلغ من العمر ستة اعوام.
ذاك الرجل هو جدي المختار مفلح العلي، وقتها كنت طفلا صغيرا، وقد تأملت بعد صلاة عشاء امس الاول مع الصديق ياسر المخادمة، ايام مضت وقد انفتحت أمامي أبواب الذاكرة على مصراعيها، فإذا بي أعود أكثر من نصف قرن إلى الوراء، إلى عام 1969، إلى المسجد العمري في الرمثا.
كنت أمسك بيد جدي كل يوم جمعة إلى المسجد، ما زلت أذكر كنت أجلس في الصف الأول من الجهة الغربية، وكانت أحذية المصلين مصطفة أمامهم على رف خشبي أرضي خُصص لأحذية الصف الأول، في صورة بسيطة لكنها ما زالت محفورة في ذاكرتي، وكأنها حدثت بالأمس.
ثم تمتد بي الذكريات إلى صحن المسجد، حيث كانت قبة الوضوء تتوسط المكان، فيجتمع الناس حولها يتوضؤون في هدوء وسكينة قبل الصلاة، بينما تتعالى أصوات السلام والدعاء، وتمتزج برائحة الماء والحجارة العتيقة، لتصنع مشهدا لا يمكن أن تنساه الذاكرة.
وأكاد أرى، بعين القلب، خادم المسجد الحج ذياب رحمه، وهو يحمل صندوق التبرعات الخشبي، يمر به بين صفوف المصلين بكل وقار، فيبادر الناس إلى دعم مسجدهم بما تيسر، في زمن كانت فيه البركة أكبر من المال.
وسمعت في الاثناء وانا اسند ظهري لسارية من سواري المسجد الى صوت الشيخ محمد المفلح العزايزة وهو يرفع الاذان ويصلي بنا. بخشوع لا تصنعه إلا الأصوات الصادقة.
أما منبر المسجد، فما زلت كلما رأيته في خيالي تذكرت هيبته، وكان يخطب الناس الشيخ علي أبو العيش، صاحب الصوت الجهوري، وعالم الرمثا الذي أحبّه الجميع ووثقوا بعلمه واعتداله.
واليوم، كلما صليت في المسجد العمري، فما زالت أصوات المصلين، وخطوات جدي، ورائحة السجاد القديم، وصدى الأذان، تعيش في داخلي، وكأن الزمن توقف هناك، في ذلك المسجد الذي احتضن طفولتنا، وربّى أجيالا من أبناء الرمثا على الإيمان والمحبة والانتماء.