كتب : عمر خويله :
في بورصة النفاق الاجتماعي والسياسي، لا تحكمنا قوانين العرض والطلب، بل معادلة ثلاثية الأطراف: المسحوج له كهدف، والمسحج كآلة عازفة، والمتفرج كجمهور حانق. هذه الثلاثية الديدانية هي المحرك الأساسي لعجلة التخلف التي تدور بنا إلى الخلف بثبات وثقة.
يعتقد البعض واهمين أن المسؤول الواصل أو صاحب الحظوة المدعوم أمنيا صيد سهل ينطلي عليه النفاق. والحقيقة أنه كائن مستنفع شديد الذكاء، يمتلك رادارات تميز بين الاحترام الحقيقي والتسحيج الرخيص، لكنه يستمتع برؤية طقوس الانبطاح أمام عرشه إشباعا لنرجسيته وتأكيدا لسطوته.
أما المسحج فهو كائن حربائي يمتلك ترسانة من الأقنعة، ومستعد لتبديل جلده كلما مالت ريح المصلحة. يسير وعينه على الفتات، ولديه مرونة أخلاقية لبيع أي مبدأ في سبيل نيل ركعة رضا، دون أن يرى في ذلك مذلة، بل “شطارة” وذكاء ديبلوماسي للوصول لأهدافه.
وأمام هذا المشهد، ينقسم المتفرج إلى فئتين: ناقم حانق يكره المسحجين لأنهم زاحموه في الطابور وحرموه من كعكة النفاق، وقابض على الجمر من أصحاب المبادئ وهم قلة قليلة ينظرون للمستنقع بقرف ويدفعون ثمن كرامتهم عزلة وتهميشا.
وفي قمة الهرم، تقبع الحكومات كصانعة لهذا السوق بخبرتها الطويلة في شراء الذمم؛ ترفع النكرة وتخسف بالقامة الوطنية. ومن هذه الهندسة العبثية تصنع النخب ويفرخ قادة الرأي والنواب والعديد من المسؤولين، ليصبح الولاء للمقعد لا للوطن، وتتحول المؤسسات لساحات منافع ضيقة.
النتيجة؟ بين مسؤول يعرف كيف يستعبد، ومسحج يجيد الانحناء، ومتفرج ينتظر دوره في الطابور… طار قطار التقدم، وبقينا نحن هنا، نمارس طقوس التسحيج بامتياز، ونتساءل بكل بلاهة: لماذا نحن متخلفون؟