بسام السلمان
خلال مكالمة مع الصديق محمود طويق، اتفقنا على حقيقة لا يختلف عليها اثنان، عبود الكازية موجود في كل زمان ومكان.
في الخربة، كان عبود الكازية يفتح دكانه مع طلعة الشمس، ويفقس زر الاذاعة فتصير الدكان وكالة أنباء، الخبر يدخل من الباب حبة قمح، ويخرج من الشباك قافلة جمال.
عبود لا يبيع السكر والشاي فقط، بل يبيع الأخبار والتحليلات والمواقف بالجملة والمفرق، وإذا رأى الريح تميل جهة، مال معها قبل أن تكتمل الهبة، فهو مقتنع أن الرزق يحب الخطوات السريعة، والمبدأ يمكن تأجيله إلى إشعار آخر.
أما في زمن الفيس بوك، فقد تكاثر أولاد عبود الكازية حتى صار لكل هاتف عبوده الخاص، لم تعد هناك حاجة لدكان أو مذياع، صار المنشور هو إذاعة الخربة الجديدة، والإشاعة تسافر بسرعة الضوء، بينما الحقيقة تمشي على عكاز.
تجد أحدهم اليوم يشتم شخصا حتى يكاد يطالبه بإلغاء اسمه من السجل المدني، فإذا دعاه إلى وليمة أو أجلسه في المقعد الأمامي لسيارته الفارهة، انقلب بين ليلة وضحاها إلى أكبر المدافعين عنه، وكأن شيئا لم يكن.
وهناك من يبيع مواقفه مقابل عزومة منسف، أو صورة إلى جانب شخصية نافذة، أو وعد بوظيفة، أو حتى عشر دنانير، وإذا سألته: “وين المبادئ؟” أجابك وهو يهز كتفيه: “يا زلمة… هاظ حكي فيسبوك، بكرا الناس بتنسى!”
و نقول: “الدني ما عاد تفرّق بين الخبر والإشاعة، وبين الحكيم واللي سامع الحكي من عند عبود الكازية.” فكل واحد صار محلا سياسا، وخبيرا عسكريا، ومؤرخا، وقاضيا، وكل ذلك من خلف شاشة الهاتف، بينما الحقيقة واقفة على جنب تقول: “إذا فضيتوا… احكوا معي شوي.”
عبود الكازية ليس شخصا بعينه، بل حالة اجتماعية تتكرر كلما وجد من يشتري الكلام أكثر مما يشتري الحقيقة، وربما لهذا سيبقى عبود حاضرا في كل قرية ومدينة، لكن بدل أن يجلس خلف طاولة الدكان، صار يجلس خلف لوحة المفاتيح، يوزع الإشاعات والإعجابات، ويعتقد أن عدد الاعجابات أهم من صدق الخبر.