الاردن ليس مجرد دولة صغيرة نجت من تقلبات الإقليم، بل سردية سياسية واقتصادية متكاملة، صاغتها القيادة الهاشمية عبر أكثر من قرن، حيث لم يكن الاقتصاد انعكاسًا لما يملكه الأردن، بل لما استطاع أن يصنعه رغم محدودية الموارد، بل وأن تعيد تعريف دورها في كل مرحلة تاريخية.
حين وصل الملك عبد الله الأول بن الحسين إلى شرق الأردن عام 1921، لم يكن أمامه اقتصاد قائم يمكن تطويره، بل مساحة جغرافية محدودة الإمكانات، تعاني فراغًا سياسيًا واقتصاديًا معًا، لا موارد استراتيجية، ولا بنية تحتية، ولا سوق حقيقية بالمعنى الحديث، لكن ما أدركته القيادة مبكرًا، أن بناء الاقتصاد يبدأ أولًا من بناء الدولة.
ولهذا، لم تكن الأولوية في تلك المرحلة إنتاج الثروة بقدر ما كانت إنتاج الاستقرار، فالأمن، والمؤسسات، والهوية الوطنية، وسيادة القانون، لم تكن مجرد أدوات حكم، بل شكلت “رأس المال الأول” للدولة الأردنية، ومن هنا، يمكن فهم خصوصية التجربة الأردنية؛ فاقتصاد الأردن لم يولد من فائض مالي، بل من إدارة ذكية للندرة، ومن قدرة سياسية على تحويل الهشاشة إلى قابلية للبقاء.
ومع ترسخ الدولة، بدأت السردية الأردنية تنتقل تدريجيًا من مرحلة “البقاء” إلى مرحلة “البناء”، خاصة في عهد الملك الحسين بن طلال، الذي قاد واحدة من أهم مراحل التحول الوطني في تاريخ المملكة.
حيث لم يكن الأردن يمتلك النفط كما دول الجوار، لكنه امتلك رؤية مختلفة: الاستثمار في الإنسان، ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كانت الدولة تبني المدارس والجامعات بوتيرة سبقت كثيرًا من المشاريع الاقتصادية الكبرى، كان الرهان واضحًا: الإنسان الأردني يمكن أن يصبح المورد الأهم للدولة.
ذلك الرهان لم يكن عاطفيًا، بل استراتيجيًا بامتياز، فالأردن الذي ضاقت به الجغرافيا، وسّع حضوره عبر كفاءاته، فالمعلم الأردني، والطبيب، والمهندس، والإداري، أصبحوا جزءًا من بناء الاقتصادات العربية، خاصة في الخليج، وتحولت الكفاءات الأردنية إلى قوة اقتصادية ناعمة، أعادت تعريف معنى “الصادرات” في الحالة الأردنية.
لقد نجح الأردن، في تلك المرحلة، في بناء نموذج اقتصادي مختلف: دولة لا تصدر النفط، بل تصدر المعرفة والخبرة والمهارة، وكانت تحويلات الأردنيين العاملين في الخارج تشكل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، في مشهد يعكس كيف استطاعت الدولة تحويل محدودية الموارد إلى فرصة استراتيجية.
لكن مع نهاية الثمانينيات، دخل الأردن مرحلة اقتصادية أكثر تعقيدًا، فرضت إعادة النظر في النموذج التقليدي للدولة والاقتصاد، الأزمة المالية، وتغيرات الإقليم، وضغوط العولمة، كلها دفعت نحو مرحلة جديدة مع تولي الملك عبد الله الثاني بن الحسين الحكم.
هنا، بدأت الدولة تعيد تعريف دورها الاقتصادي، فلم يعد مطلوبًا منها أن تكون المشغّل الأكبر، بل أن تصبح الممكن والمحرك لبيئة الأعمال والاستثمار، انفتح الأردن على الأسواق العالمية، ووقّع اتفاقيات تجارة حرة، وأطلق مناطق اقتصادية خاصة، إلى جانب الدفع نحو التحول الرقمي وتطوير قطاعات الخدمات والتكنولوجيا.
والأردن، بحكم موقعه الجيوسياسي، لم يكن يومًا بمنأى عن أزمات المنطقة، الحروب، واللجوء، وتعطل سلاسل التجارة، وأزمات الطاقة، كلها كانت تضغط مباشرة على الاقتصاد الوطني، ومع ذلك، حافظت الدولة على قدرتها في إدارة التوازنات، وعلى موقعها كدولة مستقرة وموثوقة في إقليم شديد الاضطراب.
وهنا يتجلى الدور الهاشمي بأعمق صوره؛ ليس فقط في إدارة الدولة، بل في إعادة تموضع الأردن داخل التحولات الإقليمية والدولية، فالدبلوماسية الأردنية لم تكن سياسية فقط، بل اقتصادية أيضًا، فالعلاقات المتوازنة، والانفتاح على مختلف المحاور، والقدرة على لعب دور الوسيط العقلاني، كلها عناصر عززت من صورة الأردن كبيئة مستقرة للاستثمار والشراكة.
واليوم، تقف الدولة الأردنية أمام مرحلة جديدة من تطور هذه السردية، فالعالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، والاقتصاد العالمي يعاد تشكيله حول التكنولوجيا، والخدمات العابرة للحدود، والاقتصاد الرقمي، والكفاءات البشرية.
وهنا، تبدو الفرصة الأردنية أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، فالدولة التي نجحت تاريخيًا في بناء الإنسان، قادرة اليوم على تحويل هذا الإنسان إلى مركز ثقل اقتصادي عالمي.
الأردن يمتلك قاعدة تعليمية متقدمة، وكفاءات بشرية عالية، وموقعًا جغرافيًا وسياسيًا يمنحه القدرة على لعب دور إقليمي يتجاوز حجمه التقليدي، ولهذا، فإن الفصل القادم من السردية الأردنية لا يقوم فقط على “إدارة الأزمات”، بل على صناعة الفرص، فرصة لتحويل الأردن إلى منصة إقليمية للخدمات والتكنولوجيا والمهارات، وإلى مركز لتصدير الكفاءات بشكل أكثر تنظيمًا واحترافية، وربط التعليم مباشرة بالاقتصاد العالمي الجديد.
من ذلك نجد أن سردية الدولة الأردنية لم تكن يومًا قصة ثروة طبيعية، بل قصة إرادة سياسية وقدرة على التكيف وإدارة التحديات، والدور الهاشمي لم يكن فقط في حماية الدولة، بل في إعادة تعريفها كلما تغير العالم من حولها.