بسام السلمان
كنت يوم الخميس الماضي ضيفا في لقاء استثنائي جمع معلمي وطلبة مدرسة الرمثا الثانوية من فوج عام 1978، تلك المدرسة التي كانت وما تزال منارة علم وتربية، صنعت أجيالا من الرجال الذين حملوا رسالتها إلى مختلف مواقع العمل والعطاء.
كنت الوحيد من خريجي عام 1982، فوجدت نفسي بين معلمين تعلمت على أيديهم، وبين طلبة كانوا بالأمس تلاميذ لهم، ثم أصبحوا معلمين وقادة ومهنيين تركوا بصماتهم في المجتمع. شعرت أنني أعود سنوات طويلة إلى الوراء، إلى زمن كانت فيه المدرسة بيتا ثانيا، وكان المعلم أبا ومربيا قبل أن يكون ناقلا للمعرفة.
كانت الدعوة الكريمة من المهندس أحمد خويلة، الذي يستحق هو من شاركه الفكرة الشكر على هذه المبادرة الجميلة التي أعادت وصل ما انقطع من خيوط الذكريات. وهناك رأيت وجوها غابت عني سنوات طويلة، لكنها بقيت حاضرة في الذاكرة كما هي، تحمل ذات الملامح الطيبة والابتسامات الصادقة.
ما شدني في ذلك اللقاء أنه كان خاليا من أي غاية سوى المحبة. لم يكن تجمعا انتخابيا، ولا مناسبة للترويج أو المجاملة، بل كان لقاء إنسانيا خالصا، اجتمع فيه الناس على الوفاء والامتنان والحنين. كلمات دافئة وهمسات فرح صادقة خرجت من القلوب مباشرة، فأعادت إلى الحضور جزءا من أجمل أيام العمر.
وحين أتاحوا لي فرصة الحديث لدقائق قليلة، وجدت نفسي أقول ما شعرت به حقا، إن هذا اللقاء هو أحد أجمل احتفالات الاستقلال التي شهدتها. فالاستقلال ليس أناشيد وأعلاما ومهرجانات فحسب، بل هو أيضا حصاد سنوات طويلة من البناء والعطاء. وهؤلاء المعلمون الذين ربّوا الأجيال، وهؤلاء الطلبة الذين أصبحوا رجال دولة ومجتمع وعلم، هم الإنجاز الحقيقي للوطن.
لقد كان اللقاء رسالة وفاء للمعلم، ورسالة محبة للمدرسة، ورسالة أمل بأن الذكريات الجميلة لا تموت مهما مضت السنوات. فالأوطان تُبنى بالحجر، لكنها تبقى بالإنسان، والإنسان تصنعه المدرسة والمعلم والقيم التي تزرع في النفوس منذ الصغر.
غادرت اللقاء وأنا أكثر يقينا بأن أجمل ما يملكه الإنسان في نهاية المطاف ليس المناصب ولا الألقاب، بل تلك العلاقات الإنسانية النبيلة التي تبقى حيّة في القلب مهما ابتعدت الأيام.
وفي الرمثا، كما في كل بقعة من وطننا العزيز، ما زال هناك رجال أوفياء يثبتون أن المحبة الصادقة قادرة على جمع الناس بعد عقود طويلة، وكأن الزمن لم يمضِ يوما واحدا.