سائقون بلا اختبار… وارتباكٌ خلف المقود
مصطلح “الأمباليه” في فحص السواقة لا يحتاج إلى شرحٍ طويل لمن تعلّم القيادة على مركبات “الجير” لا الأوتوماتيك في القرن الماضي، تلك اللحظة المرتبكة حين يخنق السائق الغيار، أو تنطفئ المركبة فجأة، أو يختلط عليه الكلتش والبنزين والمكابح تحت الضغط.
ورغم أنّ الكلمة تبدو شعبية وخفيفة، إلّا أنّها تختصر معنى عميقًا جدًا: كيف يتصرّف الإنسان حين يفقد السيطرة في اللحظة التي كان يُفترض أن يكون فيها أكثر انضباطًا.
في الموروث الشعبي الأردني، ارتبطت “الأمباليه” بجيلٍ تعلّم القيادة بوصفها مهارة حقيقية لا مجرد متطلّب للحصول على رخصة، كان الامتحان بسيطًا في شكله، لكنه قاسٍ في معناه: هل يستطيع السائق السيطرة على المركبة حين يرتبك الطريق؟
هذا تمامًا ما يحدث أحيانًا داخل بعض المؤسسات.
فالمؤسسات لا تنهار دائمًا بسبب المؤامرات الكبرى، ولا بسبب نقص الموارد، ولا حتى بسبب القوانين القديمة، أحيانًا تنهار لأنّ من يقودها يضع قدمه على كل شيء في الوقت الخطأ؛ يضغط البنزين بدل المكابح، يبدّل الغيارات بعصبية، ويرفع “الكلتش” قبل أوانه.
فتهتزّ المركبة، “وتنتّع”، تختنق، ثم تنطفئ وسط الطريق، ليبدأ المشهد الحقيقي للفوضى: زمامير، توتر، حركات عصبية على المقود… وكأنّ المشكلة في السيارة لا في مهارة السائق نفسه.
لكنّ الخطر يصبح أكبر بكثير حين لا تكون المركبة سيارة صغيرة، بل مؤسسة بأكملها، وحين لا يكون الطريق شارعًا فرعيًا، بل حياة الناس اليومية، وأرزاقهم، واقتصادهم ومقدّراتهم.
بعض المؤسسات اليوم تبدو كسيارةٍ مهوّرة تسير بسرعة داخل شارع مزدحم، بينما السائق ما يزال يتعلّم أساسيات السيطرة، ويظنّ أنّ الجلوس خلف المقود يصنع سائقًا.
وما يزال مشهد الارتباك يُعرض أمام الناس… بثًا مباشرًا منذ سنوات.
السؤال الذي يصل متأخرًا
هنا تبدأ المأساة الحقيقية، ليس لأنّ الخطأ ممنوع؛ فالخطأ جزء طبيعي من أي تجربة بشرية، بل لأنّ السؤال الأشد قسوة يصل دائمًا متأخرًا: كيف جلس هذا الشخص خلف المقود أصلًا قبل أن يُختبر؟
والأقسى من ذلك… لماذا استمرّ الطريق مفتوحًا له بعد أن اكتشف الجميع أنّه لا يعرف القيادة؟
في امتحانات السواقة، هناك لحظة حاسمة لاختبار “الأمباليه”، يُراقَب السائق تحت الضغط: كيف يتصرّف؟ كيف يسيطر على المركبة؟ هل يربك الطريق… أم يقوده بثقة؟
لأنّ جوهر القيادة ليس تحريك السيارة فقط، بل منع الطريق من التحوّل إلى خطرٍ عام، لكنّ بعض الإدارات تبدو وكأنّها تجاوزت الامتحان بالكامل.
وأحيانًا، لا أحد خارج أو داخل المؤسسة يفهم أصلًا ماذا يحدث… بمن فيهم من يمسك المقود نفسه.
والأسوأ… أنّ الجميع يتظاهر بأنّ الطريق ما يزال آمنًا.
الدولة كحقل تدريب
فجأة، يُسلَّم شخصٌ مؤسسة ضخمة، أو مرفقًا حيويًا، أو ملفًا يمسّ حياة ملايين البشر، ثم يكتشف الجميع بعد سنوات أنّه ما يزال يرتبك أمام أبسط أزمة تشغيلية.
مرّة تُلام الأنظمة، ومرّة تُلام الكوادر، ومرّة يُلام الناس أنفسهم.
ثم يخرج أحدهم، بعد سنوات طويلة خلف المقود، ليقول ببرود: “التخطيط كان غائبًا.”
وكأنّ السنوات كلّها لم تكن كافية لاكتشاف أنّ المركبة أصلًا تسير بلا فرامل.
المشكلة ليست ضعف الكفاءة فقط، بل فلسفة كاملة ترى المنصب وجاهةً قبل أن تراه مسؤولية، وتعتقد أنّ القيادة تُكتسب من الكرسي لا من الخبرة، ومن الصورة لا من القدرة على الثبات حين يبدأ الطريق بالانعطاف.
بعض المؤسسات لا تُدار فعلًا… بل تُسحب على الغيار الثاني لسنوات، ورغم ارتفاع صوت المحرّك، لم يسمع أحد في الدوّار الرابع صوت الاحتراق تحت الغطاء.
الكوميديا السوداء للأزمات
وحين تصل الأزمة، تبدأ الكوميديا السوداء:
ترتبك المؤسسة، تتناقض القرارات، تتصادم التصريحات، وتبدو الحلول كحركات سائق مرتبك يضغط البنزين والمكابح في اللحظة نفسها، ثم يتساءل لماذا احترق المحرّك.
لكنّ الأخطر أنّ هذه المركبة لا تخصّ السائق وحده، بل مجتمعًا بأكمله.
فالناس يدفعون ثمن الارتباك من وقتهم، وأعصابهم، وفرصهم، وأموالهم، بينما يبقى السائق مقتنعًا بأنّ المشكلة في الطريق، أو الطقس، أو “عدم فهم الآخرين”.
في كلّ شيء… إلّا السؤال الوحيد الذي كان يجب طرحه منذ البداية: هل كان مؤهّلًا للقيادة أصلًا؟
الطريق الذي يتحوّل إلى حادث
لهذا، فإنّ أخطر أنواع “الأمباليه” ليست تلك التي يرتكبها سائق جديد في امتحان المرور، بل تلك التي يرتكبها مسؤول يكتشف، بعد سنوات طويلة خلف المقود، أنّه لم يفهم الطريق أصلًا.
فالسيارة المهوّرة قد تُصلَح أحيانًا، لكنّ السائق الذي لم يُختبر كما يجب، قد يحوّل الطريق كلّه إلى حادثٍ طويل.
بعض المؤسسات لا تنهار لأنّ الطريق صعب،بل لأنّ أحدهم أمسك المقود قبل أن يفهم معنى القيادة نفسها.
وربما المأساة الأعمق كلّها… أنّ السيارة لا تملك حقّ الاعتراض على سائقها.
أخيرًا…
المشكلة ليست أنّ بعض السائقين يخطئون… بل أنّ الطريق بأكمله ما يزال مفتوحًا لمن لم ينجحوا أصلًا في اختبار السيطرة.
فبعض الحوادث لا يصنعها الطريق… بل قرار تسليم المقود لمن لا يعرف كيف ينجو بالآخرين.