16
بسام السلمان
ما شاهدناه في إحدى الجامعات لم يكن حدثا طارئا، بل مشهدا يتكرر كل عام وكأنه جزء من طقوس غير مكتوبة، أشبه بحفل تخريج مقلوب، حيث تُرفع العصي بدل الشهادات، وتُطلق الشعارات بدل الأفكار، ويتحوّل الحرم الجامعي إلى ساحة استعراض غضب مؤقت لا يصنع مستقبلا.
وللأسف، لم تعد العقوبات الإدارية بحق الطلبة تؤتي أُكلها، ولم تعد رادعة كما ينبغي، لأن المشكلة أعمق من مخالفة جامعية أو شجار عابر. لقد انتقل بعض الشباب من لغة القلم والكتاب والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى شعارات “القتال بالعصي والحجارة”.
وهنا لا نتحدث عن حادثة فردية، بل عن مؤشر اجتماعي وثقافي مقلق، إذ ما زلنا نعيد إنتاج عقلية الاصطفاف الضيق” أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب”، بدل أن نصطف جميعا خلف العلم والإبداع وبناء المستقبل.
إن المؤلم حقا أن يحدث هذا داخل الجامعات، وهي المفترض أن تكون مصانع القادة والعلماء وروّاد الاقتصاد الجديد. فبدل أن ينشغل الطلبة بابتكار حلول الذكاء الاصطناعي، أو مشاريع التكنولوجيا المتقدمة، نجد بعضهم ينشغل بصراعات شعارات انتخابية لا تبني وطنا ولا تصنع فرصة عمل.
المشكلة ليست في عقول شبابنا، فالشباب الأردني أثبت في كل مكان قدرته على المنافسة والإبداع عندما تتاح له البيئة الصحيحة. المشكلة تبدأ حين يتحول الخطاب الجامعي إلى عاطفة تعويضية تغطي ضعفا في الإنجاز العلمي، وفشلا طويلا في ترسيخ ثقافة الإنتاج والمعرفة.
لغة العصا والحجارة تحمل نكهة عشائرية عاطفية، لكنها في جوهرها تعكس استسلاما مبكرا أمام التفوق العلمي والتكنولوجي الذي يدير العالم اليوم
الأردن، بقيادته الهاشمية، يسير نحو اقتصاد المعرفة، بينما بعض العقول ما زالت تحاول العودة إلى زمن الغلبة بالعصا لا بالفكرة. وهنا تقع المسؤولية الكبرى على الجامعات والأسرة والإعلام والنخب الثقافية؛ فبناء الإنسان الواعي هو خط الدفاع الحقيقي عن الوطن.
لقد انتهى زمن الخطابات التي تلهب المشاعر دون أن تبني واقعا. نحن بحاجة إلى جامعة تُخرّج مهندسا يفكر، وطبيبا يبتكر، وشابا يؤمن أن مستقبله يُصنع بالحاسوب لا بعصا تُرفع في لحظة غضب.