71
عبدالله يوسف الزعبي.
كانت السبعينات تكاد تودع الزمن، بينما هو في ربيع الرجاء وريعان الأمل. كان توجساً يعتريه تسلل إليه مع بعض اضطراب في ركبتيه كأنهما ينصتان لنداء الوداع وحسيس الرحيل. أحس برهبة التجربة ورعشة الطيران، زادت برودة ذاك الصباح التشريني قلقه وشعر أن مطار ماركا يصب عليه الصقيع والتوتر صباً. غطس في حزنه حين أقلعت الطائرة صوب الغيوم، تسمر في مقعده بعدما أحكم الحزام ونظر من النافذة بريبة، رأى عمان حينها شاحبة عطشى تتضرع الماء والشجر، تلتمس التاريخ والقلم، والقلعة حينها فوق السقف والسيل تحرس السبيل والحوريات وتلال سبع وترتب قسمات البشر.
هناك على حافة النهاية في بريطانيا، استقل القطار والضباب، حمل في قلبه مزيجاً من آيات الصبر وقبس الحلم في رحلة الغربة والكتاب. كانت الرحلة أطول من المسافات، تسع سنوات في أعماق الذات ودهاليز الروح