99
كتب : عمر خويله
في مشهد درامي يستحق جائزة الأوسكار في فن الذهول المصطنع، استيقظ المواطن الأردني على وقع تصريحات النائبين مصطفى العماوي وفواز الزعبي، ليصاب بنوبة من الدهشة الكونية. تخيلوا يا رعاكم الله، النواب يعترفون بأن الوصول إلى القبة يكلف الملايين، وأن هذه الملايين ليست صدقة جارية أو حبا في سواد عيون التشريع، بل هي استثمار عقاري في بورصة العبدلي، يسترد بأضعاف مضاعفة عبر بزنس التنفيعات واللجان والوساطات في الوزارات… وكأن المواطن الأردني المسكين لم يكن يعلم ذلك مسبقا وكأنه لم يكن يرى بأم عينه كيف ان عددا كبيرا ممن ينجحون في الانتخابات يتحولون إلى وزراء او مسؤولين او يصبحوا من أصحاب العقارات والارصده .
المواطن المسكين، الذي كان يعتقد طوال عقود أن المرشح يبيع سيارته ويستدين من حماته فقط ليخدم المصلحة العامة، سقط منه مغلي القهوة على الفراش من شدة المفاجأة. كيف يمكن أن يكون البرلمان مكانا لتحقيق الربح السريع؟ هل يعقل أن العطوات الانتخابية والذبائح التي كادت تفني الثروة الحيوانية في المملكة كانت تهدف لشيء آخر غير مخافة الله فينا… يا للهول! إنها صدمة توازي صدمة اكتشاف أن الصيف حار وأن الشتاء بارد.
لقد كشف لنا العماوي والزعبي، مشكورين على صراحتهم المستور… وأن المقعد النيابي في الحقيقة بطاقة ذهبية تفتح أبواب الوزارات، وتجعل من النائب مدير تخليص معاملات… وبينما ننشغل نحن بالبحث عن وظيفة لابناءنا براتب لا يتجاوز المئتين وخمسين دينارا إكتشفنا الآن أن ثمن البذلة النيابية والمنسف البلدي يسترد من جيوب مستغلي اللجان وتمرير الصفقات تحت الطاولة، وفوق الطاولة، وحول الطاولة من المستثمرين وغيرهم.
بعيدا عن التهكم، يثبت لنا الواقع يوما بعد يوم أن الحديث عن محاربة الفساد والحفاظ على المال العام في ظل الآليات الحالية ليس سوى حراث في البحر. فلا يمكن لبيئة تقوم على تزكية الشخوص بناء على ملاءاتهم المالية أو نفوذهم العشائري او دعم الاجهزه الامنيه لهم أن تنتج رقابة حقيقية. إن الاستحالة المطلقة لإنهاء الفساد تكمن في غياب الديمقراطية الحقيقية التي تعيد السلطة لمصدرها الأصلي. لن ينصلح الحال إلا عندما يصبح رئيس الوزراء نتاجا لإرادة شعبية ممثلة في أغلبية برلمانية برامجية، بحيث يكون الرئيس وفريقه محاسبين فعليا أمام نواب يملكون سلطة حجب الثقة عن الحكومة لا طلب التنفيعات منها. فبدون تلازم السلطة والمسؤولية، وبدون أن يكون النائب مراقبا شرسا لا شريكا في الغنيمة، سيبقى المال العام مالا سائبا يعلم الناس فنون السطو القانوني