يكفي أن نفتح أي منصة من منصات التواصل الإجتماعي لندرك أن شيئاً ما تغيّر في طريقة حديثنا مع بعضنا. لم يعد الاختلاف دائما مساحة للسؤال أو النقاش، فكثيراً ما ينقلب، وبسرعة لافتة، إلى خصومة واستقطاب وتبادل للاتهامات. لم نعد نختلف حول الفكرة فقط، أصبحنا نختلف على حق الآخر في أن يراها بطريقة مختلفة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فوسائل التواصل الاجتماعي منحت الناس ما لم يكن متاحا بهذه السعة من قبل: منصة وصوتا وحضورا في المجال العام. وهذه في جوهرها قيمة ديمقراطية مهمة. اليوم يستطيع المواطن أن يسائل وأن ينتقد وأن يكشف وأن يقترح.
لكن فتح المنصة لا يعني تلقائيا أننا صنعنا ثقافة ديمقراطية.
فالديمقراطية ليست فقط أن أمتلك الحق في الكلام، الديمقراطية تتجلى في أن نتقن، مجتمعا وحكومة، كيف نتكلم حين نختلف.
وما نراه أحيانا من تنمر، وتشهير، وتعميم، وسخرية قاسية، ولغة تحريضية، ليس كله دليلا على أزمة أخلاقيات التواصل، بقدر ما هو أيضا نتيجة انتقال سريع إلى فضاء عام مفتوح من دون أن يتطور بالسرعة نفسها التعليم في المدارس وفي الجامعات على الحوار، والتفكير النقدي، وفحص المعلومات، والتمييز بين نقد القرار وإهانة الشخص، وبين مساءلة السلطة وهدم الثقة بكل مؤسسة.
المجتمعات الديمقراطية بطبيعتها مجتمعات كثيرة الأصوات. وهذه ميزة وليست عيبا. لكن التعدد عندما لا ترافقه ثقافة للحوار قد ينقلب إلى ثنائيات حادة: نحن وهم، الحكومة والشعب، الأغنياء والفقراء، النخب والعامة.
وهنا يصبح الاختلاف الذي يفترض أن ينتج معرفة أفضل، وقرارا أفضل، وسياسة عامة أفضل، مصدرا للإحتقان الاجتماعي.
ومن الطبيعي أن تكون الحكومات موضع النقد. بل إن إحدى وظائف المجال العام هي مساءلة من يمتلك القرار والموارد. وهناك تراث فكري وسياسي طويل يرى أن الحكومات التي لا تُسأل قد تنفصل تدريجيا عن المجتمع الذي يفترض أن تخدمه.
لكن النقد الجاد يختلف عن الافتراض المسبق بأن كل مسؤول فاسد، وكل قرار سيئ، وكل مؤسسة فاشلة.
فمثلما قد يُخفق بعض الوزراء والمؤسسات في أداء مسؤولياتهم في مراحل مختلفة، كما يحدث في أي دولة، هناك في المقابل موظفون عامون ومسؤولون ووزراء في مواقع القرار يعملون بتفانٍ ولساعات طويلة، ويتحملون مسؤولية قرارات صعبة، ويسعون بجد إلى تحسين ما يقع ضمن نطاق مسؤولياتهم وإمكاناتهم.
العدالة تقتضي أن نقول الأمرين معا.
المشكلة تبدأ حين تصبح الحكومة في المخيال العام كتلة واحدة يجب رفضها، أو حين يصبح المواطن في الخطاب الرسمي شخصا غاضبا يجب تهدئته أو إقناعه. في اللحظة التي يرى فيها كل طرف الآخر باعتباره مشكلة، نخسر جميعا.
فالدولة ليست مباني ووزارات فقط، كما أن المجتمع ليس جمهورا يقف خارجها.
الدولة علاقة.
علاقة بين مواطن يمنح الشرعية ويطلب العدالة والخدمة، ومؤسسات يجب أن تستجيب وتفسر وتحاسب نفسها، ومجال عام يسمح بالتفاوض الدائم والتكافل حول ما نريده جميعا من بلدنا.
لهذا فإن العلاقة بين المجتمع والحكومة علاقة متبادلة التكوين. كل طرف يساهم في صناعة الآخر.
حين تكون الحكومة شفافة، تحترم عقول الناس، تنشر المعلومات، تعترف بالأخطاء، وتشرح لماذا اتخذ القرار وكيف ومن سيحاسب على نتائجه، فإنها لا تقوم بعمل إعلامي؛ بل تبني رصيدا من الثقة.
وحين ينتقد المواطن بدليل، ويقترح بوعي، ويميز بين الخبر والإشاعة، ولا يحول الخلاف السياسي أو الاقتصادي إلى اغتيال معنوي للمسؤول، فإنه أيضاً لا يمارس مجرد حرية تعبير؛ بل يساهم في بناء جودة الديمقراطية.
لهذا نحن بحاجة إلى ما هو أعمق من حملات العلاقات العامة.
نحتاج إلى سياسات تواصل عام محترفة، وإلى حق واضح وسريع في الوصول إلى المعلومات، وإلى مسؤول يتحدث عندما توجد مشكلة لا بعد أن تتحول إلى أزمة، وإلى مؤسسات تتعلم أن قول “أخطأنا وسنصحح” ليس ضعفا بل قوة مؤسسية.
ونحتاج، في المقابل، إلى أن تدخل التربية على الحوار والمواطنة الرقمية والتفكير النقدي إلى المدارس والجامعات والمؤسسات الإعلامية، لأننا لا نستطيع أن نطلب من المجتمع حوارا ديمقراطيا لم ندرّبه عليه.
نحتاج أيضا إلى مساحات يلتقي فيها المختلفون قبل أن يصبحوا خصوما: مجالس محلية حقيقية، حوارات قطاعية، لقاءات بين المسؤولين والمجتمعات، ومنصات تشاركية لا تكتفي بالاستماع الرمزي، بل تبين للناس ماذا حدث لمقترحاتهم بعد أن قدموها.
فأخطر ما قد يحدث لأي مجتمع أن يفقد كل طرف قدرته على تصديق الآخر.
حينها لا تعود المعلومة معلومة؛ تصبح موضع شك. ولا يعود القرار قرارا؛ يُقرأ كمؤامرة. ولا يعود النقد نقدا؛ يُفهم باعتباره عداء. ومع الوقت يصبح المجتمع أسيرا لسرديتين لا تلتقيان.
والديمقراطية لا تُبنى بهذه الطريقة.
الديمقراطية لن تصمد في إنتصار صوت على صوت، بل ستقوى في بناء مساحة يستطيع فيها المختلفون أن يبقوا شركاء في وطن واحد.
لذلك لن يكون السؤال الذي نحتاجه اليوم: “من المخطئ، الحكومة أم الناس؟”
السؤال الأكثر نضجا وصعوبة: “كيف نصنع حكومة تستطيع أن تسمع النقد من دون أن تخشاه، ومجتمعا يستطيع أن ينتقد من دون أن يهدم، ومجالا عاما يستطيع أن يختلف من دون أن يتحول الاختلاف فيه إلى كراهية؟”
فالبلدان لا تحميها حالة إجماع مصطنعة. ولا يحميها الصمت.
يحميها شيء أكثر قوة: أن يختلف الناس، وأن ينتقدوا، وأن يحاسبوا، وأن يجيب المسؤولون، وأن تبقى بينهم، رغم كل ذلك، جسور تكفي لأن يواصلوا بناء البلد معا.