بسام السلمان
تُروى قصة قصيرة للكاتب البرازيلي باولو كويلوعن أب كان يحاول قراءة الصحيفة، بينما كان ابنه الصغير يزعجه باستمرار. فمزّق ورقة تحمل خريطة العالم إلى قطع صغيرة، وطلب من ابنه إعادة ترتيبها، ظنا منه أنه سيبقى مشغولا وقتا طويلا. لكن الطفل عاد بعد خمس عشرة دقيقة وقد أعاد تركيب الخريطة. اندهش الأب وسأله عن سر نجاحه، فأجابه: «كانت هناك صورة لإنسان على الوجه الآخر من الورقة، وعندما أعدت بناء الإنسان، أعدت بناء العالم».
قد تكون القصة بسيطة، لكنها تحمل معنى إنسانيا عميقا، مفاده أن بناء الإنسان هو الخطوة الأولى لبناء الأوطان وصناعة المستقبل.
فالدين، في جوهره القائم على الرحمة والتسامح والعدل، يسهم في بناء الإنسان، والأسرة تغرس فيه القيم والأخلاق، والمدرسة تنمّي عقله ووعيه، والمجتمع يعزز انتماءه ومسؤوليته. وعندما تتكامل هذه الأدوار، ينشأ إنسان قادر على احترام الآخرين، وتقبّل الاختلاف، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الضيقة.
لكن هذا البناء، الذي يحتاج إلى سنوات طويلة من التربية والرعاية، قد يتعرض للانهيار عندما تتسلل إلى النفس أفكار التطرف والتعصب والكراهية، أو تطغى الأنانية والمصالح الشخصية على القيم الإنسانية. وقد تبدأ هذه الانحرافات بأفكار أو ممارسات بسيطة، لكنها تتسع إن لم تواجه بالوعي والحكمة والتربية السليمة.
لذلك، فإن حماية الإنسان مسؤولية مشتركة تتطلب ترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز قيم التسامح، ومواجهة كل فكر يدعو إلى الكراهية أو الإقصاء، مع تقديم القدوة الحسنة للأجيال الجديدة.
إن الأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بالعقول الواعية والضمائر الحية والإنسان المسؤول.
فإذا أردنا أن نبني أوطانا قوية، فعلينا أن نبدأ ببناء الإنسان، لأن الإنسان الصالح هو أساس المجتمع المتماسك، والركيزة الحقيقية لكل نهضة، وعندما نعيد بناء الإنسان، نعيد بناء الوطن والعالم من حولنا.
حمى الله وطني الاردن من كل سوء.