المهندس بسام ابو النصر
الأردن ليس مجرد مساحة جغرافية على خارطة المنطقة، بل وطنٌ صاغ أبناؤه، مسلمين ومسيحيين، عبر عقود طويلة، حكاية أخوة وانتماء ومصير مشترك، وأثبتوا أن الوحدة الوطنية ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل حقيقة راسخة في وجدان الأردنيين، وسياجٌ يحمي الدولة والمجتمع من كل محاولات العبث والاختراق. ومن هنا، فإن الاعتداء الآثم الذي استهدف المشيعين في كنيسة حمود في الكرك، إن صحت تفاصيله كما جرى تداولها، لا يمكن النظر إليه بوصفه حادثاً عابراً، بل باعتباره فعلاً يستوجب التحقيق والمحاسبة، ووقفة وطنية مسؤولة ترفض العنف وتقطع الطريق على كل من يحاول تحويل الألم إلى فتنة.
إن استهداف مكان للعبادة أو الاعتداء على مشيعين في لحظة حزن وفقدان، هو اعتداء على حرمة الإنسان وكرامته، وعلى قيم المجتمع الأردني بأسره. فالكنائس في الأردن ليست غريبة عن أرضه، والمسيحيون الأردنيون ليسوا ضيوفاً على وطنهم، بل هم مواطنون أصيلون، شركاء في تاريخه وبناء دولته والدفاع عن منجزاته، كما أنهم جزء لا يتجزأ من نسيجه الاجتماعي والوطني. إن المساس بهم هو مساس بالأردن كله، ومحاولة النيل من أمنهم وكرامتهم هي محاولة للنيل من أمن كل أردني وكرامته، أياً كان دينه أو معتقده.
وما يدعو إلى الاعتزاز، وسط هذه الأحداث المؤلمة، هو أن مشاهد التشييع قد جمعت الأردنيين من المسلمين والمسيحيين، يداً بيد، في صورة تختصر معنى الوطن الحقيقي؛ وطنٌ لا تُفرّق أبناءه دور العبادة، ولا تباعد بينهم الاختلافات الدينية، بل تجمعهم المواطنة الصادقة والمصير المشترك. لقد كانت تلك المشاهد رسالة أقوى من كل خطاب تحريضي، ودليلاً على أن الأردنيين يدركون أن خسارة أي مواطن هي خسارة للوطن كله، وأن الوقوف إلى جانب بعضهم بعضاً في المحن هو التعبير الأصدق عن الوفاء للأردن.
وفي المقابل، لا يجوز الاستهانة بمحاولات استغلال مثل هذه الأحداث لإثارة الشكوك بين أبناء المجتمع الواحد، أو إطلاق الاتهامات جزافاً، أو بناء روايات عن وجود مندسين أو جهات تسعى إلى ضرب الوحدة الوطنية من دون أدلة موثوقة ونتائج تحقيق رسمية. فحماية الوطن تبدأ بكشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه وفق القانون، لكنها تبدأ أيضاً بحماية الوعي الوطني من الشائعات والتأويلات التي قد تتحول، بقصد أو بغير قصد، إلى وقود للفتنة. وليس من الحكمة أن نسمح لحادث مؤلم، مهما بلغت خطورته، بأن يتحول إلى مدخل للتشكيك في أخوة الأردنيين أو الإساءة إلى نسيجهم الاجتماعي.
أما الأصوات التي قد تحاول خارج الأردن توظيف الحادثة للنيل من استقرار المملكة أو تصويرها على أنها شرخ في العلاقة بين مواطنيها، فإن الرد عليها لا يكون بالانفعال أو تبادل الاتهامات، بل بالحقائق والمواقف المسؤولة، وبإظهار حقيقة المجتمع الأردني الذي طالما واجه التحديات متماسكاً، ورفض أن يكون ساحة للصراعات الطائفية التي مزقت مجتمعات أخرى في المنطقة. فالأردن يعرف أن الفتنة لا تبدأ دائماً برصاصة؛ قد تبدأ بكلمة مسمومة، أو شائعة مغرضة، أو خطاب يحاول زرع الخوف والريبة بين الجيران والأشقاء.
وفي هذه اللحظة، تتجدد أهمية الدور الذي يضطلع به جلالة الملك عبدالله الثاني في الدفاع عن الأردن، وصون هويته الوطنية، وترسيخ قيم الاعتدال والتسامح والعيش المشترك، وحماية صورة الإسلام الذي يرفض التطرف والإرهاب، ويحفظ كرامة الإنسان وحقوقه. لقد كان الأردن، بقيادته ومؤسساته وأبنائه، صوتاً للاعتدال في منطقة أنهكتها الحروب والانقسامات، ووقف في مواجهة الفكر المتطرف ودعاة الكراهية، مؤكداً أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدراتها الأمنية والعسكرية، بل أيضاً بقدرتها على حماية مواطنيها، وصون حقوقهم، وتعزيز ثقتهم بمؤسساتهم، وترسيخ العدالة وسيادة القانون.
وإذا كان الأردن واحة أمن في محيط مضطرب، فإن هذه الواحة لا يحميها جهاز أمني وحده، مهما بلغت كفاءته، بل تحميها كذلك وحدة أبنائها، ووعيهم، ورفضهم التحريض، وتمسكهم بالدولة والقانون. وهنا تبرز مسؤولية الجميع، أن نترك للأجهزة المختصة كشف ملابسات الحادثة، وأن ندعم كل جهد يفضي إلى الحقيقة والمحاسبة، وأن نرفض تحويل الجريمة إلى مناسبة للانتقام أو التعميم أو التحريض على أي فئة من فئات المجتمع.
إن عيون النشامى الساهرين لا تنام، لكن يقظة الوطن الحقيقية تسكن أيضاً في ضمير مواطن يعرف أن أخاه في الوطن ليس خصماً له بسبب اختلاف الدين، وأن الكنيسة والمسجد جزء من مشهد أردني واحد، وأن حماية حرمة دور العبادة مسؤولية وطنية وأخلاقية لا تقبل المساومة. أما الجبناء، أياً كانت هوياتهم أو دوافعهم، فلن يحققوا أهدافهم إذا وجدوا أمامهم شعباً متماسكاً، وقيادة مسؤولة، ومؤسسات قادرة على فرض القانون، وإرادة وطنية ترفض أن تكون الكراهية بديلاً عن الأخوة.
سيبقى الأردن أكبر من محاولات الفتنة، وأقوى من دعاة الشر، وأرسخ من أن تهزه حادثة أو تنال من وحدته رواية مغرضة. وسيبقى الأردنيون، مسلمين ومسيحيين، شركاء في حماية وطنهم، وصون كرامة أبنائه وبناته، والدفاع عن قيمه التي جعلت من التعايش والاعتدال والاحترام المتبادل ركائز أصيلة في هويته.
عاش الأردن آمناً عزيزاً، وحمى الله قيادته وأبناءه وبناته، وحفظ وحدته الوطنية من كل سوء، وأفشل مساعي الحاقدين ودعاة الفتنة، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ أمتنا من شرور التطرف والكراهية والانقسام.
الدم الأردني .. يجمع ولا يُفرق
27
المقالة السابقة