أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
قبل عامين اختفى فجأة غالبية المسؤولين السابقين و اصحاب الدلال في الاردن لمدة اسبوعين تقريبا لانهم اعتقدوا ان امريكا ستتحكم في الاردن و المناصب و الفيز لامريكا. هالني يومها الجبن عن اصدار تغريدة او منشور او فعالية دعم للاردن او سيد البلاد.
هاهم من تبخروا يومها و جبنوا يعودون ليتصدروا الواجهات الاعلامية و المناصب و الامتيازات و كأن الرسالة ان من يقف مع وطنه و قيادته في اللحظات الصعبة يهمش اما من يختفي او يعارض يكافأ.
لقد عاد الى ذهني ذكرى لقاء سيد البلاد مع الرئيس ترامب قبل سنتين و الموقف الشجاع لجلالة الملك الذي ابعدنا عن مواجهة قوة عظمى و بنفس الوقت لم يفرط بالمصالح و الحقوق الاردنية.
ذلك دفعني لتحليل ما حدث و ما يحدث اليوم من منظور علمي اجتماعي فخلصت الى ان هنالك اوصياء خفيين علينا كشعب و لاسباب تخصهم لا يسمحون للكفاءات و اصحاب الانتماء و الولاء الصادق بان يكون لهم مكان في خدمة وطنهم لان العلم و الثقافة و الوعي خطر على من يفتقدها.
عندما انظر للمشهد الاردني اليوم من منظور علمي ثقافي اراه مقسوم لاتجاهين الاول يشمل تيارات الاسلام السياسي و اليسار القومي و الليبراليين و الطرواديين (متقلبي الانتماء حسب المصلحة) و هؤلاء جميعا فكريا لا يؤمنون بدولة وطنية بل ينظرون للدولة الوطنية كخادم لمشاريع فكرهم و مصالحهم اما في الجهة المقابلة فأرى تيار وطني اردني يؤمن بالهوية الاردنية و تعدد الثقافات و يؤمن بدولته الوطنية و قيادته الهاشمية و لكنه مقتنع ان هنالك مجالات تحتاج اصلاح و افكار من خارج الصندوق.
ارى ان التيارات في الاتجاه الاول و معها تيار هلامي لا أتبينه من صميم الدولة شكلت وصاية علينا كأردنيين تهمش الوطني الكفؤ صاحب العلم و الثقافة و الرؤية لصالح محدودي الكفاءة ضيقي الافق القابلين للانقياد وفق مصالحهم بل مقاومة.
لذلك وصلت لقناعة ان الاصلاح يجب ان يبدأ باصلاح هؤلاء الاوصياء فهم من يقرر ثقافة المجتمع ثم يأتي المجتمع ليقرر قناعات و افكار و ضمير و سلوك الافراد. اعطي مثال في الثمانينيات عندما قرر الاوصياء ان التعليم هو الطريق للارتقاء الاجتماعي و المالي و للحصول على مناصب قيادية اصبحت ثقافة المجتمع التعليم بحيث شهدت الاردن ثورة تعليمية غير مسبوقه اما اليوم فإنني لا اتبين ما هي المعايير التي اعتمدها اوصياء اليوم تماما كما لا يمكنني تحديد من هم هؤلاء الاوصياء لكنني مع عودة هؤلاء الذين جبنوا ان يناصروا وطنهم و قيادتهم و اختفوا قبل سنتين لمدة اسبوعين الى ان انجلى ان الاردن و قيادته ثابتين، مع عودة هؤلاء اجد ان المعايير الجديدة اصبحت اكثر وضوحا. بل يؤكد لي اكثر ان من كانوا ايام ما سمي الربيع العربي في الخندق الآخر لم يحتاجوا سوى لجملة توضيح او اعتذار ليتصدروا اليوم الشاشات و يعطوا لنا دروسا في الوطنية، لنا نحن من كنا دوما من وطننا و قيادتنا عن قناعة و وعي.
هذا النموذج ليس جديدا فقد جربته امم و دول و مجتمعات عبر التاريخ و كان نتاجه دوما زيادة الشعور بالاستحقاق عند العامة تحت منطق اذا لم تكن المؤهلات و الانتماء و الولاء هو المعيار اذا انا من حقي ايضا و هذا انتج دوما حاليا من التذمر الاجتماعي الذي يعرف نتائجه من قرأ التاريخ بوعي.
انا أرى انني كأردني بايعت الهاشميين لقيادة بلدي عن قناعة انهم اساس الاستقرار و بقاء الاردن متماسكة عزيزة لكنني لم ابايع هؤلاء الاوصياء من خارج العائلة الهاشمية الا عادت الدول الوطنية الى منطق الطبقية القديم بين مغلوب يؤمن بالكدح و الخنوع و غالب له كل الحقوق بما فيها التدوير من منصب الى آخر دون الحاجة للنجاح او الانجاز و هذه صيغة قديمة لم تمر بها الاردن منذ 5800 عام اي منذ بدء العصر البرونزي و مرت بها دول اخرى على الاطراف فانتجت ازدواجية الشخصية بين الحديث بالمثل و الانجازات و المشاريع و الفشل على ارض الواقع. فإن نجونا منها عبر ستة الاف سنه فما المبرر لعودتها اليوم.