الحلقة الاولى
بيوت الطين التي سكنت قلوبنا
بسام السلمان
في زاوية من الذاكرة، تنمو البيوت كما تنمو الأشجار، لا من الطين فحسب، بل من المحبة، والعرَق، والماء المسكوب من كفوف الجدّات في مواسم “التطيين”. بيوت الطين لم تكن مجرّد مأوى، كانت وطنا مُصغّرا، نوافذه تطل على الدوالي، وأفنيته تُشعل دفء الذاكرة كلما مرّ المساء.
وسؤال بيت الطين الذي ما زال في الاذهان:
أين نحن من تلك اللحظة التي جلست فيها عروس تُزَيَّن يداها بالحنّاء؟ أين هي طفلة النافذة القوسية تنتظر والدها الجندي العائد من الحرس بقطعة كعكبان؟ أين صحن المجدرة الواصل من يد الجارة قبل موعد الغداء بلحظات؟ كل شيء كان بسيطا، لكنه كان كاملا.
كانت جدران بيوتنا من الطين، لكنها لم تكن يوماً هشّة، كانت سميكة بما يكفي لصدّ برد الشتاء وحرّ الصيف، ولعزل الهمّ أيضً. تحت أقواس “المضافة” ارتفعت أحاديث الرجال، وفي “النملية” حفظت النساء مونة الشتاء، وعلى راديو صغير يتربع في الركن، صدحت “سميرة توفيق” بأغاني الزمن النظيف.
كنا نستيقظ على صياح الديك ونداء الباعة، ويوقظنا صوت طقطقة المزاريب في الشتاء كأنه ترتيل مقدّس، كان كل تفصيل في بيت الطين قطعة من نسيج الحياة: جرة الماء على باب الدار، رفوف المونة المرتبة بعناية، مطوى الفراش المربوط على الحائط، والمطبخ الذي كان يفيض بمذاقات من كل ما طهته القلوب قبل الأيدي.
لم تكن الجدران فقط من طين، كانت من تراب محبوس فيه أنفاس من عاشوا هناك، واتسعت البيوت الصغيرة لقلوب كبيرة، أما اليوم فكلما اتسعت العمارات ضاقت الأرواح.
من يعود إلى تلك البيوت لا يبحث عن جدران، بل عن جيران، عن ضحكةٍ صدحت من فوق سطح، عن ظل شجرة تينٍ، عن “تنكة زريعة” بزهور لا تذبل في الذاكرة، في تلك البيوت، وُلدنا مرتين، مرّة من أرحام أمهاتنا، ومرّة من رحم المكان.
إن بيت الطين لم يكن مجرّد بناء، بل أسلوب حياة، ونمط سكَن، وأخلاق جيرة، وفلسفة تواصل. كان بيتا حنونا، منفتحا، بلا بوابات إلكترونية، بلا رُكام إسمنت، بلا استعلاء معماري. كان البيت للقلوب قبل أن يكون للأجساد، وكانت الحياة فيه تُعاش بتواضع الجدران، وكرم الأرض، وصدق السماء.