د. حمد الكساسبة
هل يشهد الشرق الأوسط اليوم إعادة رسم لخريطته من دون أن تتغير حدوده؟ ليس عبر اتفاقيات جديدة لتقسيم الأرض، بل من خلال شبكة متسارعة من الموانئ والممرات والسكك الحديدية وخطوط الطاقة وكابلات البيانات، وربما لم يعد السؤال الأهم من يملك الموقع، بل من يستطيع تحويله إلى قيمة اقتصادية تجعل المرور عبره أكثر جدوى من تجاوزه.
ومن هنا، يمكن الحديث عن سايكس–بيكو الاقتصادية، لا كمقارنة تاريخية حرفية، بل كتعبير عن تغير أدوات النفوذ، فسايكس–بيكو الأولى ارتبطت بتوزيع مناطق النفوذ في المشرق، بينما يجري اليوم، بصورة مختلفة، إعادة توزيع للأدوار الاقتصادية.
دولٌ تريد أن تكون بوابات بحرية، وأخرى ممرات برية أو مراكز للطاقة والتصنيع والبيانات. وإذا كانت الأولى قد أعادت توزيع الجغرافيا، فإن الجديدة قد تعيد توزيع قيمة الجغرافيا.
وقد كشفت اضطرابات السنوات الأخيرة تغيرًا أعمق في حسابات التجارة والنفوذ. فبعد عقود كان فيها الطريق الأقصر والأقل كلفة هو الأفضل، أصبحت القدرة على تأمين الممر واستمراره وقت الأزمات جزءًا من قيمته.
ويعكس حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرًا عن «السيطرة» على مضيق هرمز، وطرحه اعتباره إقليمًا أمريكيًّا، مدى عودة الممرات إلى قلب حسابات القوة. ولذلك لم يعد تنويع الطرق مجرد استجابة للأزمات، بل انتقالًا من اقتصاد يبحث عن الكفاءة وحدها إلى اقتصاد يوازن بينها وبين الأمن والمرونة.
لكن امتلاك الممر لا يعني بالضرورة امتلاك قيمته. فالممر الاقتصادي الحديث ليس طريقًا تعبره الشاحنات، بل منظومة تبدأ بالنقل وتمتد إلى الطاقة والاتصالات والتخزين والتصنيع والخدمات.
والدولة التي تمر عبرها التجارة ليست بالضرورة الأكثر استفادة منها؛ فالرابح الحقيقي هو من يستطيع الاحتفاظ بأكبر جزء من القيمة التي تتحرك عبره، وتحويل العبور إلى استثمار ووظائف وصادرات ونشاط اقتصادي مستدام.
ويمتد هذا التحول إلى ما هو أبعد من التجارة. فتعدد منافذ الطاقة والربط الكهربائي يقلل الاعتماد على مسار واحد، فيما ترفع كابلات البيانات ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي قيمة الاتصال الرقمي.
وقد يصبح الموقع الأكثر أهمية مستقبلًا هو الذي تتقاطع عنده التجارة والطاقة والمعلومة. وهنا يظهر معنى جديد للقوة الاقتصادية: ألّا تعتمد الدولة على منفذ أو شبكة واحدة، وأن تمتلك بدائل تمنحها مساحة أوسع للحركة والقرار.
ومع ذلك، فالجغرافيا تمنح الفرصة ولا تضمن الدور. فالممرات لا تختار أقصر الطرق دائمًا، بل الأكثر كفاءة واستقرارًا. ولذلك أصبحت سرعة الحدود وكفاءة الجمارك وجودة البنية التحتية والبيئة الاستثمارية جزءًا من قيمة الموقع.
والعراق مثال واضح؛ إذ أقر البنك الدولي في عام 2026 تمويلًا بقيمة 900 مليون دولار لممرات نقل، بينها محور يربط بغداد باتجاه سوريا والأردن، ضمن توجه لتعزيز الترابط الاقتصادي الإقليمي.
وفي الوقت نفسه، تسهم القوى الكبرى والإقليمية، ومعها الشركات وصناديق الاستثمار، في رسم هذه الخريطة عبر الموانئ والممرات والطاقة والبيانات، كلٌّ وفق مصالحه وحساباته.
وهنا يبرز السؤال: لماذا لا تكون المنطقة شريكًا في رسمها؟ فقد أسهم ضعف التكامل الاقتصادي العربي، وتغليب الأولويات الوطنية المنفردة، في إضعاف القدرة على بناء مصالح مترابطة. والمفارقة أن الخريطة هذه المرة لا تُرسم سرًّا، بل تتشكل أمامنا؛ فهل نشارك في رسمها، أم نكتفي بالتكيف معها؟
وفي سايكس–بيكو الأولى كان القلق أن تجد المنطقة حدودها وقد رُسمت من دونها. أما في سايكس–بيكو الاقتصادية، فقد يكون الخطر أن تجد طرق التجارة والطاقة والبيانات وقد رُسمت من حولها. فالموقع يمنح فرصة، لكنه لا يصنع النفوذ وحده.
وفي الشرق الأوسط الذي يتشكَّل اليوم، ستكون الأفضلية لمن يحول العبور إلى قيمة، والقيمة إلى إنتاج، والإنتاج إلى نفوذ اقتصادي؛ فالجغرافيا مهمة، لكن الأهم هو القدرة على تحويلها إلى موقع يصعب على الخريطة الجديدة تجاوزه.