420
الدكتور عبد الله الحميدي الزعبي
ينتفض القلب كلما لمح طفلاً يعاني ألماً أو يستشعر خطراً، يوشك أن يسقط أو يركض غافلاً في الزحام قرب عجلة أو حافة، وتضيق الأنفاس كلما بلغ مسمع المرء بكاء صغير أو أنين وليد، فالطفولة في الوجدان حرمة من نور، وملكوت من براءة أودعها الله الأرض لتعلم قسوتها معنى النعم واللين. لذلك بدا وجع أطفال غزة كأنما يطرق القلب بيد لا تكف عن دوي أو عجيج، عشرون ألف طفل قضوا؛ رقم يثقل اللسان ويجهد العقل، ويأبى أن يستقر عدداً في جداول الإحصاء؛ إذ وراء كل اسم روح انطفأت وجه أقام ذات مرة حياة بيت وضحكة غمرت والدين بالسعادة، ويد صغيرة امتدت ذات يوم لرغيف أو لعبة أو حضن كريم ينبض بالدفء والحنان. وتمضي طفولة غزة تحتضن الجراح والعاهة والأطراف المبتورة، في شوارع الغبار حيث الرفات والجوع، وبين أنقاض الفناء تشهد على الفجيعة واليتم، وآهات تمتد كأنها لا تريد للمأساة أن تبلغ آخرها أو تنال منتهاها.
ويجول في الخاطر صدى الإبادة، ينصت إلى صراخ المأساة حين تلقي أوزارها على صدر الروح، تتراءى تلك الأم التي تهاوت عند بداية الجنون في ساحة المستشفى، والجموع تحدق فزعاً بالمرأة وهي تودع أبناءها بكلمات أوجعت حنايا الكون، “ماتوا ولم يأكلوا”، أم بقي قلبها معلقاً بجوع صغارها حتى بعد رحيلهم وكأن الموت يشتهي الطفولة طعاماً، وكأن فواجعها تحلية على مائدة العشاء. وكان محمد وجهاً آخر لحزن القدر؛ طفل يراقص العمر على حدود الثالثة، ترتجف ملامحه تحت وطأة الرعب، كأن الصدمة حفرت أخاديدها في وجهه الأسمر. خرج صوت محمد مبحوحاً من أعماقه، صوتاً يشبه رجلاً يقاوم الخوف بكبرياء فارس أضناه المسير في البيداء، نجا جسده من الموت، لكن الخوف ظل يكتب حكايته في ارتجافه على الشاشة، وسجل بحته في ذاكرة العار. وأما يوسف الأشقر، صاحب الشعر المجعد الذي شرب الشامبو، فقد كان له مساء أخير يشبه سائر الأمسيات بلا أمنيات، مازحته أمه فودعها بضحكة علقت بأهداب الذاكرة، غاب يوسف في غياهب جب أبدي، وبقي شعره الأصفر المجعد يطوف العالم بعدما فات أوان الموت. وأما هند، فما زال صوتها عالقاً في الذاكرة، تستغيث، “خايفة، تعالوا خدوني”، كأنها كانت تنادي ملائكة الرحمة وجبريل.
اليوم، يودع ملكوت الطفولة فردوس البراءة؛ ليرقد جريحاً يئن بأعلى نبرات الانكسار، معلقاً بين سماء صامتة ومواكب ملائكة تجدد تعجبها الأول ممن يفسد في الأرض ويسفك فيها الدماء. اليوم، استحال عالم القرن الحادي والعشرين، عصر المدنية المزعومة والذكاء، وحشاً ينسلخ من إنسانيته؛ ينهش جسد الغضاضة، ويزهق روح الطفولة، تاركاً إياها قرباناً على مذبح الصمت العالمي والضمير الميت. هكذا هوت الطفولة في براثن السياسة، وغدت أضحية لصلف القوة، بينما تقف الإنسانية على هامش المأساة، تشيع نفسها في ذهول، وتولي وجهها خجلاً وهي تتمتم بنفس النكوص، خايفة.. تعالوا خدوني