بقلم الدكتور معاوية علي الياسين
تظل معضلة الفساد العقبة الكبرى التي تقوض بناء الدول وتحول بينها وبين الاستقرار والتنمية، وفي تاريخ السياسة الحديثة يبرز اسم لي كوان يو ، الاب المؤسس لسنغافورة الحديثة، كرمز تاريخي للانتصار الكامل على الفساد. وتأخذ مقولته الشهيرة التي يؤكد فيها انه اذا كنت تريد هزيمة الفساد فكن مستعدا لوضع اصدقائك واقاربك خلف القضبان بعدا واقعيا يتجاوز حدود بلاده ليصبح معيارا تقاس به جدية أي حراك إصلاحي في العالم،
عندما تسلم لي كوان يو حكم سنغافورة في ستينيات القرن الماضي، كانت الجزيرة تغرق في مستنقع من الفقر والرشوة والمحسوبية، لكنه ادرك ان بناء اقتصاد قوي يتطلب أولا بيئة نزيهة جاذبة للاستثمار. ولم تكن فلسفته قائمة على سن القوانين فحسب بل على الصرامة المطلقة في تطبيقها دون تمييز، ولعل تصفية الدائرة المقربة منه سياسيا وشخصيا كانت الرسالة الأقوى للشعب وللفاسدين، فحينما طالت تحقيقات الكسب غير المشروع وزراء مقربين منه مثل وزير التنمية الوطنية تيج تشانغ وان، رفض رئيس الوزراء التدخل او حتى منحه مقابلة شخصية مفضلا ترك القانون يأخذ مجراه، مما رسخ مبدا العدالة العمياء التي لا ترى صلة قرابة او تحالف سياسي
على الجانب الاخر من المشهد، تعيش بعض الدول منذ عقود صراعا مريرا مع منظومة فساد هيكلية توصف بانها عابرة للمؤسسات، مما يتطلب اجراء خطوات
جريئة عبر اطلاق حملات لملاحقة والقاء القبض كبار المسؤولين والمقاولين من حيتان الفساد. ان مقاربة أي اجراءات مع التجربة السنغافورية تضعنا امام اختبار حقيقي ومحوري يبدا أولا بكسر حصانة الخطوط الحمراء، فاعتقال شخصيات كانت تعتبر فوق القانون بسبب نفوذها المالي او حمايتها السياسية يمثل البداية الفعلية لتطبيق مبدا لي كوان ، ففي سنغافورة كان القرار بيد سلطة مركزية حازمة، الأصدقاء والاقارب بمفهوم لي كوان يو لا يعنون صلة الدم الفردية فحسب بل يشملون الحلفاء السياسيين وأعضاء الكتل الكبرى والشركاء في إدارة السلطة. وهنا يبرز التحدي الأكبر حول مدى استمرارية الملاحقة القانونية (النزيهة) لتطال الحيتان والفاسدين دون محاباة او انتقائية، فضلا عن الحاجة الماسة لمأسسة هذه المحاسبة وتجفيف منابع الفساد، لان لي كوان يو لم ينتصر بالاعتقالات الفردية المؤقتة فقط بل بتأسيس منظومة تشريعية وقضائية مستقلة وقوية تحمي الدولة على المدى الطويل
تثبت تجربة سنغافورة في نهاية المطاف ان الفساد ليس قدرا محتوما على الشعوب بل هو مرض يمكن الشفاء منه اذا توفرت الإرادة السياسية الشجاعة ، ونحن بحاجة الى التمسك التام بنصيحة الزعيم السنغافوري الراحل بان يوضع القانون فوق الولاءات وان تسقط الحصانات السياسية امام مصلحة الدولة العليا، فمعركة مكافحة الفساد لا تكتمل بضرب الذيول بل بقطع رؤوس شبكات النفوذ مهما كانت درجة قربها من دوائر القرار