بسام السلمان
في أواخر سبعينيات القرن الماضي، حين كانت الحكايات تُكتب على مهل، وكانت المشاعر تسير بخطوات هادئة كنسيم المساء، عاش شاب قصة حب بسيطة وعميقة في آن واحد. كان قلبه معلقا بفتاة اسمها ريم، اسم كان يكفي ليجعله يبتسم دون سبب، أو يسهر الليل وهو يستعيد ملامحها وكلماتها القليلة.
في تلك الأيام، كان في الأسواق نوع من السجائر يحمل اسم “ريم”. ولم يكن الاسم بالنسبة للناس أكثر من علامة تجارية مطبوعة على علبة ورقية، أما بالنسبة لذلك العاشق فكان شيئا آخر تماما؛ كان يرى فيه اسم محبوبته مكتوبا أمامه في كل زاوية وشارع.
كان يمشي في طرقات المدينة القديمة، وبين الأرصفة والأسواق، فإذا لمح باكيتا فارغا من سجائر “ريم” ملقى على الأرض، أسرع إليه كأنه وجد رسالة ضائعة من حبيبته. ينحني بهدوء، يلتقطه من بين الغبار، ينفض عنه ما علق به من تراب، ثم يقبله قبلة خفيفة لا يراها أحد.
لم يكن يقبل علبة السجائر، بل كان يقبل الاسم الذي عليها. ثم يحملها بحنان ويضعها فوق جدار قريب أو على على جذع شجرة أو فوق حجر نظيف، وكأنه يعيد الاعتبار لاسم محبوبته الذي لا يليق به أن يكون تحت الأقدام.
كان أصدقاؤه يضحكون من تصرفه أحيانا، ويسألونه “أمعقول أن تفعل كل هذا من أجل اسم مكتوب على باكيت دخان؟”
فيجيب مبتسما “أنتم ترون باكيتا فارغا… أما أنا فأرى ريم.”
ومرت السنوات، وتبدلت الأزمنة، واختفت أشياء كثيرة كانت تملأ الحياة دفئا وبساطة. لكن تلك الحكاية بقيت شاهدة على زمن كان الحب فيه يبحث عن أصغر التفاصيل ليمنحها معنى. زمن كان العاشق يكتفي برؤية اسم محبوبته مكتوبا على ورقة عابرة، فيشعر أن الدنيا كلها أصبحت أجمل.
وهكذا علمتنا تلك الحكاية أن الحب الحقيقي لا يقاس بكثرة الكلمات ولا بهدايا الذهب، بل بتلك التفاصيل الصغيرة التي لا يفهمها إلا أصحاب القلوب العاشقة.
هذه حكاية من حكايات لا تنتهي… حيث كانت الأسماء وحدها تكفي لتُشعل في القلوب ألف حكاية وحكاية.
اختفى دخان ريم من الحياة فهل بقي اسم ريم ينبض في قلب عاشقنا؟