31
الرمثا نت
في تقرير أعده الأستاذ خلدون ذيب النعيمي تضمن شهادات لأهالي الجولان ممن عاصروا حرب عام 1973 عن بطولات الجيش العربي الأردني، خص به »، تاليا نصه:
جبل الشيخ ووادي الرقاد وتلول الجموع والحارة والجابية وغيرها الكثير من المواقع ارتبطت بأسماعنا بالمشاركة الأردنية في حرب تشرين الأول 1973 على الجبهة السورية.. أسبوعان من التجوال والترحال في مناطق الجولان السوري والريف الغربي لمحافظة درعا، وهي المنطقة التي شهدت الحرب العربية الإسرائيلية الخامسة، وكان الأردن بشجاعة قيادته وبسالة جنده هو الحاضر بالبال والمكان والقول والحديث على حد سواء خلال الزيارة.
عموماً هي زيارتي الثانية لهذه المناطق التي عززت أهمية التوثيق وإبراز الجهد الأردني كقوة عربية ثالثة مشاركة في هذه الحرب سواء على الجبهة المباشرة من خلال إرسال الأردن لواءين مدرعين من خيرة قوات الجيش الأردني أو تواجده الفعلي كإسناد مباشر على أطول جبهة عربية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، فخلال الزيارتين عايشت المكان وسمعت كبار السن ممن عايشوا الحرب وبسالة الجيش الأردني فيها فكانت بمثابة شهادة مباشرة اشترك فيها المكان والإنسان على حد سواء.
الجولان هضبة بازلتية غزيرة المياه جميلة الأجواء متدرجة الارتفاع من تحت منسوب سطح البحر في وادي اليرموك جنوباً الذي يفصلها عن الأردن وغور الحولة وبحيرة طبرية غرباً الذي يفصلها عن إصبع الجليل الفلسطيني ليصل شمالاً إلى ما يزيد عن ألف متر عن سطح البحر على سفوح جبل الشيخ بمحاذاة الحدود اللبنانية، ويفصلها شرقاً وادي الرقاد عن سهول حوران الذي تتناثر على جانبيه تلول منتصبة كانت بمثابة الشاهد على ما جرى في هذه الحرب من بسالة العسكري الأردني ليس باعتراف ابن المنطقة فحسب بل باعتراف قادة جيش الاحتلال أيضاً.
«قطعت انا حدود سوريا وانا على دواره الغالي»
كان قرار المغفور له الملك الحسين بن طلال بالمشاركة في الحرب تأكيداً على رسالة الجيش العربي الأردني في الدفاع عن أرض العروبة أيا كان موقعها، وهنا لا يخفى الدور الذي كان يقوم به الجيش الأردني أصلاً بالرباط على الجبهة الأطول مع إسرائيل وإشغال جنودها بتخفيف الضغط على الجبهتين السورية والمصرية، لا سيما أن الجبهة الأردنية هي الأقرب من المراكز الحيوية في الكيان المحتل، فكان القرار بإرسال خيرة تشكيلات الجيش ممثلة باللواء الأربعين الذي استطاع باعتراف قادة جيش الاحتلال منع العدو من الالتفاف من جنوب الجبهة والوصول لطريق درعا دمشق ووضع الجيشين السوري والعراقي بين كفي كماشة، وبالتالي التهديد المباشر للعاصمة دمشق.
ولم تغب عن النفس والذهن خلال الزيارة أغنية «قطعت انا حدود سوريا وانا على دواره الغالي، يا الحارس الشيك وافتحلي ومن الكرك جيت زواره» بمعانيها الجميلة العظيمة والتي أصبحت تراثًا خالدًا تغنى للحب والرجولة كتبتها أم أردنية في لحظة اشتياق لابنها وتحفيزاً له على الإقدام والقتال للدفاع عن حمى العروبة أينما كان، فهو نفس الابن ضمن العسكرية الأردنية الذي حارب في باب الواد واللطرون المقدسيتين والسموع والكرامة ويزين جبينه الأغر «الجيش العربي» كتأكيد أن لهذا الوطن رسالته الخالدة كوريث لرسالة نهضة العرب الكبرى، فالأردن كان دوما الواصل بتضحياته وجهده بين أبناء أمته ولم يكن الفاصل كما يرى البعض جهلاً منهم أو حقداً.
في وادي الرقاد وتلاله كانت سردية مجد البطولة
وادي الرقاد هو الفاصل بين الجولان وحوران ويمتد من جبل الشيخ شمالاً حتى نهر اليرموك جنوباً وعلى جانبيه كان انتشار الجيش الأردني في مناطق داعل ومزيريب واليادودة الحورانية وكذلك مسحرة وجبا الجولانية، فضلاً عن تل الجموع في القطاع الجنوبي الذي سمي بهذا الاسم لتجمع قوات الفتح العربي الإسلامي قبيل معركة اليرموك وتل الفرس الذي شبهه الأهالي بعرف الفرس لارتفاعه النسبي عما حوله، وكذلك تل الجابية في القطاع الأوسط الذي كان مركزاً لجباية الخراج لمناطق جنوب الشام في العهد الأموي، وأيضاً تل الحارة في القطاع الشمالي على الطريق الذي يربط الجولان بدمشق.
هذه المناطق تلالاً وبلدات شهدت على دور الجندي الأردني في صد العدوان الإسرائيلي، فقد كانت أحاديث من قابلتهم من كبار السن تتراوح بين الحديث عن تخطيط وشجاعة «أبو هجهوج»، العميد خالد هجهوج المجالي، قائد اللواء الأربعين المشارك في الحرب، و»الشيشاني»، أي الملازم فريد الشيشاني الذي هاجم موقعاً إسرائيلياً بدبابته وكبد العدو خسائر كبيرة قبل أن يستشهد، فقد نفّذ اللواء/ 40 هجوماً استراتيجيا يوم التاسع عشر من تشرين الأول على مقربة من تل مسحرة – جبا واستعاد فيه زمام المبادرة وقدرته على التحكم بسير المعركة، فقدّم اللواء ثلاثة وعشرين شهيدًا.
سكان مناطق الصراعات كمصدر ثقة لتوثيق الأحداث
خلال الزيارة كانت هناك أحاديث عفوية مع كثير من سكان المنطقة ممن شهدوا الحرب، وكان الحديث عن مناطق وادي الرقاد وتل مسحرة وشيخ مسكين وتل الحارة وسعسع وتل عنتر وخان أرنبة، وهي المناطق التي انتشرت فيها الدبابات الأردنية وطواقمها، بمثابة الحديث الفصل الذي يؤكد بطولات الجيش الأردني في هذه الحرب المجيدة، وذلك في وقت أصبحت فيه الجبهة السورية مكشوفة بسبب الضغط العسكري الإسرائيلي للوصول إلى دمشق. والمعلوم أن معظم سكان هذه المناطق عائلات حورانية في قراها فضلاً عن وجود واضح لعشائر بدوية مستقرة على جانبي وادي الرقاد.
وهنا لا يخفى أنه يُنظر لرواية السكان المحليين في مناطق الصراعات بأنها مصدر ثقة للتاريخ وذلك بالنظر لعفويتها، وأبناء الجولان وحوران في أرض الجبهة ما زالوا يرددون بمجالسهم بطولات الجيش الأردني بعيداً عن محاولات التشويه الحاقدة، وهي شهادة حق للأردن وقيادته وجيشه من أناس عندهم الخبر اليقين، وحق أن تعمم محلياً لأجل إطلاع الجميع، هذا من ناحية، ولأجل نثر الرماد الساخن في وجوه المشككين الحاقدين من ناحية أخرى.
الواضح أن الدور الأردني في هذه الحرب المجيدة بحاجة فعلية لتعزيز التوثيق
وإبرازه إعلامياً أمام الأجيال، لا سيما أن الأردن كان القوة العربية الثالثة بعددها وعتادها في هذه الحرب، فضلاً عن الدور المباشر المهم لجيشه في الحيلولة دون التفاف العدو من مناطق الكورة والوسطية وبني كنانة في الشمال الأردني باتجاه الجنوب السوري، وهذا الأمر الذي يجب أن يبرز للأجيال في وقت يتعرض فيه الأردن رغم تضحيات شعبه وجيشه للتشكيك والتأويل المبطن، فكلمة الراحل الحسين أثناء وداع جنده باتجاه الجولان «إنكم تذهبون لنصرة أرضكم أرض العروبة» هي القول الفصل
الدستور