بسام السلمان
قال أحد الأصدقاء وهو يشرب فنجان القهوة الثالث في العرس “ألف مبروك لابن الصديق، ليلة حناء محترمة، وعريس مثل الورد، لكن يا رجل، الدبكة أصبحت أخطر من نشرات الأخبار!”
ضحكنا، ثم بدأ يروي مأساته الوطنية مع “الدبيكة” قال إنه منذ بداية السهرة كان قلبه “يزقزق” للدخول إلى الساحة، فالدبكة بالنسبة له ليست مجرد رقص، إنها حنين قديم، وذاكرة قرية، وعرق رجال، وصوت شبابة يشبه رائحة الطابون.
وقال صديقي” لكن الحماس مات فجأة عندما شاهدت بعض الوجوه تتقدم الصفوف وكأنها في مهمة رسمية لإنقاذ الوطن بالدبكة”.
قال: “اشتهيت أشارك، والله اشتهيت. قدماي كانتا تتحركان وحدهما، وكتفي بدأ يهتز تلقائيا، لكنني تراجعت عندما رأيت جماعة الصف الأول.”
وفي كل عرس هناك نوعان من الدبيكة والكلام لصديقي” دبيكة يرقصون لأنهم فرحون ودبيكة يرقصون لأن الكاميرا موجودة.
الأول يصفق من قلبه، ويتعب من الفرح، ويعود إلى بيته سعيدا. أما الثاني، فيدخل الدبكة بعين على العريس، وعين على المسؤول، وثالثة على المصور، وكأنه يقدّم طلب ترقية أثناء الهجيني.
بعضهم يندفع إلى مقدمة الصف بسرعة سيارة إسعاف، ثم يبدأ بالقفز بطريقة توحي أن مستقبل الاقتصاد الوطني متوقف على هز الكتف الأيمن. والمصيبة أن هؤلاء لا يكتفون بالدبكة، بل يحتكرونها.
فإذا دخل مسؤول إلى الساحة، تحولوا فورا إلى “وحدة حماية معنوية”، يحيطون به من كل الجهات، ويصفقون له أكثر مما يصفقون للعريس نفسه.
صديقي المسكين بقي جالسا على الكرسي البلاستيكي، يراقب المشهد بحزن. قال” “أنا أحب الدبكة لكن أحيانا لا أحب بعض الدبيكة.”
وهذه العبارة تصلح لأن تكون حكمة شعبية تُعلّق على أبواب الصالات. فنحن في زمن أصبحت فيه بعض المناسبات الاجتماعية موسما للاستعراض أكثر من الفرح. حتى الرقص لم يعد بريئا، صار يحمل رسائل، وتحالفات، وتموضعات، وربما طلبات تعيين أيضا.
ومع ذلك، تبقى الأعراس أجمل ما في الناس. يكفي أن ترى أم العريس تبتسم، وأبا يخبئ دموعه، وشابا يرقص بصدق، وطفلا يركض بين الكراسي بلا سبب لتعرف أن الفرح الحقيقي ما زال بخير، رغم كل “السحيجة” المحيطين به.
وفي النهاية، اقترب صديقي من ساحة الدبكة متأخرا، وصفق قليلا، ثم عاد إلى مكانه وهو يقول:
“الدبكة الحقيقية يا صاحبي ليست بمن يقف أول الصف، بل بمن يفرح من قلبه حتى لو بقي آخر الكراسي.”