وفيما يلي تفاصيل القصة المشوقة كما رواها ناصر الدين:
ولد عابد كرمان أواخر الثلاثينيات في قرية “إبطن” شرق حيفا لعائلة ميسورة الحال. وفِي العاشرة من عمره، وتحديداً عام 1948، شهد بعينيه استشهاد شقيقه برصاص العصابات الصهيونية؛ مشهدٌ حفر في قلبه جرحاً لا يندمل وولّد لديه رغبة عارمة في الانتقام، واكبت نضوجه وشبابه حيث تميز بالذكاء، والوسامة، والقدرة العالية على بناء العلاقات الاجتماعية.
قادت الأقدار عابد إلى فرنسا برفقة زوجته الفرنسية “جاكلين” لتبني طفل، وهناك تعرّف على مواطن مصري كان بوابة عبوره إلى المخابرات المصرية داخل سفارتها في باريس. خضع عابد لتدريبات مكثفة وصارمة في بروكسل ومدن أوروبية أخرى، شملت فنون الحبر السري، والتصوير الخفي، والاختراق الصامت، والصمود أثناء الاستجواب، ليُعاد تشكيله كـ “سلاح سري” لمواجهة الاحتلال.
عاد عابد إلى إسرائيل بحياتين؛ أسس مصنعاً للحلاوة الطحينية في باريس كغطاء مالي وتجاري، وبدأ يتغلغل داخل المجتمع الإسرائيلي مخترقاً الجمارك والجيش. بلغت براعته حداً جعله صديقاً شخصياً لوزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك “موشيه ديان”، يرافقه في الحفلات ويتبادل معه الأحاديث، بينما كان عقله يقتنص أخطر الأسرار. وامتدت شبكته لتشمل رئيس مخابرات حيفا “غيورا زايد”، ووزراء بارزين مثل شلومو هيلل، وبنحاس سابير، وفيكتور شيمتوف.
العمليات الاستراتيجية ومخططات “خط بارليف”
نجح عابد كرمان في تنفيذ مهام استخباراتية غيرت مجرى الصراع، أبرزها:
تصوير السفن البحرية الإسرائيلية في ميناء حيفا.
رصد صواريخ “جبرائيل” البحرية السرية.
اختبار مدى صلاحية طريق (حيفا-عكا) لهبوط وإقلاع الطائرات الحربية وقت الطوارئ.
العملية الأهم: نقل المخططات الكاملة لـ “خط بارليف” المنيع إلى القيادة المصرية، ليصبح بمثابة كتاب مفتوح أمام الجيش المصري قبل حرب أكتوبر.
الاعتقال، الصمود، والتحرير
في ربيع 1969، نجح عابد في تجنيد “توفيق فياض بطاح” الموظف في جمارك ميناء حيفا لتوسيع شبكته، إلا أنه وفي 13 كانون الثاني 1970 أُلقي القبض عليهما في مطار اللد نتيجة خطأ في إجراءات الأمان للعميل الجديد.
رغم تعرضه لأبشع صنوف التعذيب، صمد عابد ولم ينطق بكلمة تدين شبكته، وحُكم عليه بالسجن 16 عاماً، أمضى منها 4 سنوات فقط؛ إذ أُدرج اسمه بعد نصر أكتوبر في صفقة تبادل أسرى عام 1974، تحرر بموجبها مقابل الجاسوس الإسرائيلي “باروخ مزراحي”.
عاد عابد إلى مصر بطلاً متوجاً، وروى تفاصيل ملحمته للكاتب ماهر عبد الحميد في كتاب حمل عنوان “كنت صديقاً لديان”. وفي عام 2000 عاد إلى مسقط رأسه في قرية “إبطن”، ليرحل عن عالمنا في 28 آذار 2011.
وتخليداً لذكراه، جُسدت قصته في مسلسل درامي رائد بعنوان “عابد كرمان” من بطولة الفنان تيم حسن عُرض في رمضان 2011، لتبقى قصته ملحمة إرادة لرجل اخترق أحصن القلاع ووجّه طعنات معلوماتية قلبت موازين الحروب.